منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٨ - الحديث الثالث
رجل غريب تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم، فقلت له: ألك عين؟ فقال:
يا بنيّ أي شيء هذا من السؤال و شيء تراه كيف تسأل عنه؟ فقلت: هكذا مسألتي.
فقال: يا بنيّ سل و ان كانت مسألتك حمقاء. قلت: أجبني فيها؟ قال لي: سل.
قلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان و الأشخاص قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة. قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم.
قلت: فلك اذن؟ قال: نعم، قلت فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت. قلت:
ألك قلب؟ قال نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: اميز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح و الحواس. قلت: أو ليس في هذه الجوارح غني عن القلب؟ فقال: لا، قلت:
و كيف ذلك و هي صحيحة سليمة؟ قال: يا بنيّ إن الجوارح إذا شكت في شيء شمّتة أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فتستيقن اليقين و تبطل الشكّ، قال هشام: فقلت له: فانّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح؟ قال: نعم، قلت: لابد من القلب و إلّا لم تستيقن الجوارح؟ قال: نعم، فقلت له: يا أبا مروان فاللّه تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح لها الصحيح و يتيقن ما شكت فيه و يترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم و شكّهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم و حيرتهم و يقيم لك إماما لجوارحك تردّ اليه حيرتك و شكّك؟ قال: فسكت و لم يقل لي شيئا ثمّ التفت إليّ فقال: أنت هشام بن الحكم؟ فقلت: لا، فقال: أمن جلسائه؟ قلت: لا، قال: فمن أين أنت؟ قال: قلت: من أهل الكوفة. قال:
فاذن أنت هو ثمّ ضمني اليه و أقعدني في مجلسه و زال عن مجلسه و ما نطق حتّى قمت. قال: فضحك أبو عبد اللّه ٧ و قال: يا هشام من علّمك هذا؟ قلت: شيء أخذته منك فقال: هذا و اللّه مكتوب في صحف إبراهيم و موسى.
بيان الغرض من احتجاج هشام بن الحكم على عمرو بن عبيد وجوب اللطف على اللّه تعالى فانّه كما اقتضى لطفه خلق القلب إماما لقوى الجوارح و الأعضاء ترجع إليه و ليست في غنى عنه فكذلك اقتضى جعل إمام للنّاس يرجعون