البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - غزوة بنى النضير
تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم و ترك ما بقي لهم و ان ذلك كله سائغ فقال ما قطعتم من لينة و هو جيد التمر أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن اللَّه ان الجميع قد أذن فيه شرعا و قدرا فلا حرج عليكم فيه و لنعم ما رأيتم من ذلك و ليس هو بفساد كما قاله شرار العباد انما هو إظهار للقوة و إخزاء للكفرة الفجرة. و قد روى البخاري و مسلم جميعا عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حرق نخل بنى النضير و قطع و هي البويرة فأنزل اللَّه ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ. و عند البخاري من طريق جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حرق نخل بنى النضير و قطع و هي البويرة و لها يقول حسان بن ثابت:
و هان على سراة بنى لؤيّ* * * حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:
أدام اللَّه ذلك من صنيع* * * و حرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بستر* * * و تعلم أي أرضينا نضير
قال ابن إسحاق: و قال كعب بن مالك يذكر اجلاء بنى النضير و قتل كعب بن الأشرف فاللَّه أعلم
لقد خزيت بغدرتها الحبور [١]* * * كذاك الدهر ذو صرف يدور
و ذلك انهم كفروا برب* * * عظيم أمره أمر كبير
و قد أوتوا معا فهما و علما* * * و جاءهم من اللَّه النذير
نذير صادق أدى كتابا* * * و آيات مبينة تنير
فقالوا ما أتيت بأمر صدق* * * و أنت بمنكر منا جدير
فقال بلى لقد أديت حقا* * * يصدقني به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكل رشد* * * و من يكفر به يخز الكفور
فلما أشربوا غدرا و كفرا* * * و جدّ بهم عن الحق النفور
أرى اللَّه النبي برأي صدق* * * و كان اللَّه يحكم لا يجور
فأيده و سلطه عليهم* * * و كان نصيره نعم النصير
فغودر منهم كعب صريعا* * * فذلّت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم و قد علته* * * بأيدينا مشهّرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا* * * الى كعب أخا كعب يسير
فما كره فأنزله بمكر* * * و محمود أخو ثقة جسور
[١] الحبور جمع حبر، و هم علماء اليهود. من هامش الأصل