البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٠ - سرية عمرو بن أمية الضمريّ على أثر مقتل خبيب
أنت رسول اللَّه و اللَّه يا محمد ما كنت أفرق من الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي و ضعفت ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان و لم يطلع عليه أحد فعرفت أنك ممنوع و أنك على حق و أن حزب أبى سفيان حزب الشيطان. فجعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتبسم و أقام أياما ثم استأذن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخرج من عنده و لم يسمع له بذكر و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمرو بن أمية الضمريّ و لسلمة ابن أسلم بن حريش أخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب فان أصبتما منه غرة فاقتلاه.
قال عمرو فخرجت أنا و صاحبي حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرنا و قال لي صاحبي: يا عمرو هل لك في أن نأتي مكة فنطوف بالبيت سبعا و نصلي ركعتين فقلت [أنا أعلم بأهل مكة منك انهم إذا أظلموا رشّوا أفنيتهم ثم جلسوا بها و [١]] انى أعرف بمكة من الفرس الأبلق. فأبى عليّ فانطلقنا فأتينا مكة فطفنا أسبوعا و صلينا ركعتين فلما خرجت لقيني معاوية بن أبى سفيان فعرفني و قال:
عمرو بن أمية وا حزناه. فنذر بنا أهل مكة فقالوا ما جاء عمرو في خير. و كان عمرو فاتكا في الجاهلية. فحشد أهل مكة و تجمعوا و هرب عمرو و سلمة و خرجوا في طلبهما و اشتدوا في الجبل.
قال عمرو فدخلت في غار فتغيبت عنهم حتى أصبحت و باتوا يطلبوننا في الجبل و عمى اللَّه عليهم طريق المدينة أن يهتدوا له فلما كان ضحوة الغد أقبل عثمان بن مالك بن عبيد اللَّه التيمي يختلى لفرسه حشيشا فقلت لسلمة بن أسلم إذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكة و قد انفضوا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا، قال فخرجت اليه فطعنته طعنته تحت الثدي بخنجري فسقط و صاح فاجتمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم [و رجعت الى مكاني فدخلت فيه] و قلت لصاحبي لا تتحرك، فأقبلوا حتى أتوه و قالوا من قتلك؟ قال عمرو بن أمية الضمريّ. فقال أبو سفيان قد علمنا أنه لم يأت لخير. و لم يستطع أن يخبرهم بمكاننا فإنه كان بآخر رمق فمات و شغلوا عن طلبنا بصاحبهم فحملوه فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى [سكن عنا الطلب ثم] خرجنا [الى التنعيم] فقال صاحبي يا عمرو بن أمية هل لك في خبيب بن عدي ننزله؟ فقلت له: أين هو؟ قال هو ذاك مصلوب حوله الحرس. فقلت أمهلنى و تنح عنى فان خشيت شيئا فانح الى بعيرك فاقعد عليه فأت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره الخبر و دعني فانى عالم بالمدينة. ثم استدرت عليه حتى وجدته فحملته على ظهري فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا في أثرى فطرحت الخشبة فما أنسى وجيبها يعنى صوتها ثم أهلت عليه التراب برجلي فأخذت طريق الصفراء فأعيوا و رجعوا و كنت لا أدرى مع بقاء نفسي فانطلق صاحبي الى البعير فركبه و أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره و أقبلت حتى أشرفت على الغليل غليل ضجنان فدخلت في غار معي قوسى و أسهمي و خنجرى فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بنى الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما و معزى فدخل الغار و قال: من الرجل؟ فقلت رجل من
[١] هذه الزيادة و ما بعدها من الطبري ٣: ٣٢