البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٤ - فصل فيما تقاول به المؤمنون و الكفار في وقعة أحد من الاشعار
و لكن ببدر سائلوا من لقيتم* * * من الناس و الأنباء بالغيب تنفع
و انا بأرض الخوف لو كان أهلها* * * سوانا لقد أجلوا بليل فاقشعوا
إذا جاء منّا راكب كان قوله* * * أعدّوا لما يزجى ابن حرب و يجمع
فمهما يهمّ الناس مما يكيدنا* * * فنحن له من سائر الناس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعا تكيده* * * البرية قد أعطوا يدا و توزّعوا
تجالد لا تبقى علينا قبيلة* * * من الناس إلّا أن يهابوا و يفظعوا
و لما ابتنوا بالعرض قالت سراتنا* * * علام إذا لم نمنع العرض نزرع
و فينا رسول اللَّه نتبع أمره* * * إذا قال فينا القول لا نتظلع
تدلى عليه الروح من عند ربه* * * ينزّل من جوّ السماء و يرفع
نشاوره فيما نريد و قصرنا* * * إذا ما اشتهى أنّا نطيع و نسمع
و قال رسول اللَّه لما بدوا لنا* * * ذروا عنكم هول المنيّات و اطمعوا
و كونوا كمن يشرى الحياة تقرّبا* * * الى ملك يحيا لديه و يرجع
و لكن خذوا أسيافكم و توكلوا* * * على اللَّه إن الأمر للَّه أجمع
فسرنا اليهم جهرة في رحالهم* * * ضحيّا علينا البيض لا نتخشع
بملمومة فيها السنوّر و القنا* * * إذا ضربوا أقدامها لا تورّع
فجئنا الى موج من البحر وسطه* * * أحابيش منهم حاسر و مقنّع
ثلاثة آلاف و نحن نصيّة* * * ثلاث مئين إن كثرنا فأربع
نغاورهم تجرى المنية بيننا* * * نشارعهم حوض المنايا و نشرع
تهادى قسى النبع فينا و فيهم* * * و ما هو إلا اليثربي المقطع
و منجوفة حرمية صاعديه* * * يذرّ عليها السمّ ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرجال و تارة* * * تمرّ بأعراض البصار تقعقع
و خيل تراها بالفضاء كأنها* * * جراد صبا في قرّة يتريّع
فلما تلاقينا و دارت بنا الرحا* * * و ليس لأمر حمّه اللَّه مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم* * * كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية* * * كأن ذكانا حرّ نار تلفع
و راحوا سراعا موجعين كأنهم* * * جهام هراقت ماءه الريح مقلع
و رحنا و أخرانا بطاء كأننا* * * أسود على لحم ببيشه ضلع