البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٨ - ذكر خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه على ملهم من القرح و الجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له و لأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد و هي على ثمانية أميال من المدينة
زيد حدثني نافع عن ابن عمر ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما رجع من أحد فجعل نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «و لكن حمزة لا بواكي له» قال: ثم نام فاستنبه و هن يبكين قال: «فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة» و هذا على شرط مسلم.
و قد رواه ابن ماجة عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرّ بنساء بنى عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لكن حمزة لا بواكي له» فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «ويحهن ما انقابن بعد مرورهن فلينقلين و لا يبكين على هالك بعد اليوم»
و قال موسى بن عقبة: و لما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أزقة المدينة إذا النوح و البكاء في الدور قال: «ما هذا» قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال: «لكن حمزة لا بواكي له» و استغفر له فسمع ذلك سعد بن معاذ و سعد بن عبادة و معاذ بن جبل و عبد اللَّه بن رواحة فمشوا الى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا: و اللَّه لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة.
و زعموا ان الّذي جاء بالنوائح عبد اللَّه بن رواحة فلما سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «ما هذا» فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم و قال لهم خيرا و قال: «ما هذا أردت، و ما أحب البكاء» و نهى عنه. و هكذا ذكر ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير سواء.
قال موسى بن عقبة: و أخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر و التفريق عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تحزين المسلمين و ظهر غش اليهود و فأرت المدينة بالنفاق فور المرجل و قالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه و لا أصيب منه ما أصيب و لكنه طالب ملك تكون له الدولة و عليه، و قال المنافقون مثل قولهم و قالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم فأنزل اللَّه القرآن في طاعة من أطاع و نفاق من نافق و تعزية المسلمين يغلي فيمن قتل منهم فقال: وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ الآيات كلها كما تكلمنا على ذلك في التفسير و للَّه الحمد و المنة
ذكر خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه على ملهم من القرح و الجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له و لأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد و هي على ثمانية أميال من المدينة
قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد و ذكره رجوعه (عليه السلام) الى المدينة: و قدم رجل من أهل مكة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسأله عن أبى سفيان و أصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون و يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتهم شوكة القوم و حدّهم ثم تركتموهم و لم