البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦٩ - عمرة الجعرانة في ذي القعدة
سقاك بها المأمون كأسا روية* * * فأنهلك المأمون منها و علكا
قال ابن هشام: و أنشدنى بعض أهل العلم بالشعر:
من مبلغ عنى بجيرا رسالة* * * فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
شربت مع المأمون كأسا روية* * * فأنهلك المأمون منها و علكا
و خالفت أسباب الهدى و اتبعته* * * على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما و لا أبا* * * عليه و لم تدرك عليه أخا لكا
فان أنت لم تفعل فلست بآسف* * * و لا قائل إما عثرت لعا لكا
قال ابن إسحاق: و بعث بها إلى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأنشده إياها، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما سمع سقاك بها المأمون «صدق و إنه لكذوب أنا المأمون» و لما سمع على خلق لم تلف أما و لا أبا عليه قال «أجل لم يلف عليه أباه و لا أمه» قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له:
من مبلغ كعبا فهل لك في التي* * * تلوم عليها باطلا و هي أحزم
إلى اللَّه لا العزى و لا اللات وحده* * * فتنجو إذا كان النجاء و تسلم
لدى يوم لا ينجو و ليس بمفلت* * * من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير و هو لا شيء دينه* * * و دين أبى سلمى عليّ محرم
قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض و أشفق على نفسه و أرجف به من كان في حاضره من عدوه و قالوا هو مقتول، فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ذكر فيها خوفه و إرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه و بينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صلاة الصبح فصلّى مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم أشار له إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال هذا رسول اللَّه فقم اليه فاستأمنه، فذكر لي أنه قام الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجلس اليه و وضع يده في يده، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يعرفه فقال: يا رسول اللَّه إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «نعم» فقال إذا أنا يا رسول اللَّه كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول اللَّه دعني و عدو اللَّه أضرب عنقه؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا»
قال فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم و ذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):