البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٦٨ - عمرة الجعرانة في ذي القعدة
عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا و اللَّه تعالى أعلم. و قال محمد بن إسحاق (رحمه اللَّه): ثم خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الجعرانة معتمرا و أمر ببقاء الفيء فحبس بمجنّة بناحية مر الظهران.
قلت: الظاهر أنه (عليه السلام) انما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة و المدينة. قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من عمرته انصرف راجعا الى المدينة و استخلف عتاب بن أسيد على مكة و خلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين و يعلمهم القرآن. و ذكر عروة و موسى بن عقبة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه الى هوازن ثم خلفهما بها حين رجع الى المدينة. و قال ابن هشام: و بلغني عن زيد بن أسلم أنه قال لما استعمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما فقام فخطب الناس فقال:
أيها الناس أجاع اللَّه كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) درهما كل يوم فليست لي حاجة الى أحد. قال ابن إسحاق: و كانت عمرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ذي القعدة و قدم المدينة في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة. قال ابن هشام: قدمها لست بقين من ذي القعدة فيما قال أبو عمرو المديني. قال ابن إسحاق: و حج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه و حج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد و هي سنة ثمان. قال و أقام أهل الطائف على شركهم و امتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع.
إسلام كعب بن زهير بن أبى سلمى و أبوه هو صاحب إحدى المعلقات السبع الشاعر ابن الشاعر و ذكر قصيدته التي سمعها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هي، بانت سعاد قال ابن إسحاق: و لما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من منصرفه عن الطائف كتب بجير بن زهير بن أبى سلمى الى أخيه لأبويه كعب بن زهير يخبره أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه و يؤذيه و أن من بقي من شعراء قريش، ابن الزبعري و هبيرة بن أبى وهب هربوا في كل وجه فان كانت لك في نفسك حاجة فطر الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا و إن أنت لم تفعل فانج الى نجائك من الأرض. و كان كعب قد قال:
ألا بلغا عنى بجيرا رسالة* * * فويحك [١] فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل* * * على أي شيء غير ذلك دلّكا
على خلق لم ألف يوما أبا له* * * عليه و ما تلقى عليه أبا لكا
فان أنت لم تفعل فلست بآسف* * * و لا قائل إمّا عثرت لعا لكا
[١] كذا في الأصل و في ابن هشام و التيمورية: فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا