البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٥ - فصل في كيفية الوقعة و ما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
منّا و لو غير جبريل يقاتلنا* * * لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق
و قد و في عمر الفاروق إذ هزموا* * * بطعنة كان منها سرجه العلق
قال ابن إسحاق: و لما هزم المشركون و أمكن اللَّه رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين:
قد غلبت خيل اللَّه خيل اللات* * * و اللَّه أحق بالثبات
قال ابن هشام: و قد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر:
قد غلبت خيل اللَّه خيل اللات* * * و خيله أحق بالثبات
قال ابن إسحاق: فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بنى مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم و كانت مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد اللَّه بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل، فأخبرني عامر بن وهب بن الأسود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما بلغه قتله قال «أبعده اللَّه فإنه كان يبغض قريشا»
و ذكر ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني، فجاء رجل من الأنصار ليسلبه فإذا هو أغرل، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب إن ثقيفا غرل، قال المغيرة بن شعبة الثقفي: فأخذت بيده و خشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت لا تقل كذلك فداك أبى و أمى إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له ألا تراهم مختتنين كما ترى؟
قال ابن إسحاق: و كانت راية الاحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة و هرب هو و بنو عمه و قومه فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين، رجل من بنى غيرة يقال له وهب و رجل من بنى كبة يقال له الجلاح، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين بلغه قتل الجلاح «قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة» يعنى الحارث بن أويس.
قال ابن إسحاق فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الأسود و فراره من بنى أبيه و ذا الخمار و حبسه نفسه و قومه للموت:
ألا من مبلغ غيلان عنى* * * و سوف أخال يأتيه الخبير
و عروة إنما أهدى جوابا* * * و قولا غير قولكما يسير
بأنّ محمدا عبد رسول* * * لرب لا يضل و لا يجور
وجدناه نبيا مثل موسى* * * فكل فتى بخايره مخير
و بئس الأمر أمر بنى قسى* * * بوجّ إذا تقسمت الأمور
أضاعوا أمرهم و لكل قوم* * * أمير و الدوائر قد تدور
فجئنا أسد غابات اليهم* * * جنود اللَّه ضاحية تسير
نؤم الجمع جمع بنى قسى* * * على حنق نكاد له نطير