البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٤ - فصل في كيفية الوقعة و ما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
(صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذاك و علمت أنه ممنوع منى. و قال محمد بن إسحاق: و حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم قال: إنا لمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم حنين و الناس يقتتلون إذا نظرت إلى مثل البجاد الأسود يهوى من السماء حتى وقع بيننا و بين القوم فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن الا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.
و رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. و زاد فقال خديج بن العوجا النصري- يعنى في ذلك-:
و لما دنونا من حنين و مائه* * * رأينا سوادا منكر اللون أخصفا
بملمومة شهباء لو قذفوا بها* * * شماريخ من عروى إذا عاد صفصفا
و لو أن قومي طاوعتنى سراتهم* * * إذا ما لقينا العارض المتكشفا
إذا ما لقينا جند آل محمد* * * ثمانين ألفا و استمدوا بخندفا
و قد ذكر ابن إسحاق من شعر مالك بن عوف النصري رئيس هوازن يوم القتال و هو في حومة الوغا يرتجز و يقول:
أقدم مجاج إنه يوم نكر* * * مثلي على مثلك يحمى و يكر
إذا أضيع الصف يوما و الدبر* * * ثم احزألت زمر بعد زمر
كتائب يكل فيهنّ البصر* * * قد أطعن الطعنة تقذى بالسبر
حين يذم المستكن المنحجر* * * و أطعن النجلاء تعوى و تهر
لها من الجوف رشاش منهمر* * * تفهق تارات و حينا تنفجر
و ثعلب العامل فيها منكسر* * * يا زين يا ابن همّهم أين تفر
قد أنفذ الضرس و قد طال العمر* * * قد علم البيض الطويلات الخمر
أنى في أمثالها غير غمر* * * إذ تخرج الحاضن من تحت الستر
و ذكر البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أبى إسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى أصحابه منهزمين و ذلك قوله بعد ما أسلم و قيل هي لغيره:
أذكر مسيرهم و الناس كلهم* * * و مالك فوقه الرايات تختفق
و مالك مالك ما فوقه أحد* * * يوم حنين عليه التاج يأتلق
حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم* * * عليهم البيض و الأبدان و الدرق
فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا* * * حول النبي و حتى جنّه الغسق
حتى تنزل جبريل بنصرهم* * * فالقوم منهزم منا و معتلق