البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٢ - فصل في كيفية الوقعة و ما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
فلقينا العدو و تسامت الخيلان فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال اللَّه تعالى، فجعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول «يا عباد اللَّه أنا عبد اللَّه و رسوله» و اقتحم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن فرسه، و حدثني من كان أقرب اليه منى أنه أخذ حفنة من التراب فحثى بها وجوه العدو و قال «شاهت الوجوه» قال يعلى ابن عطاء فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي أحد الا امتلأت عيناه و فمه من التراب، و سمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد فهزمهم اللَّه عز و جل. و رواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه.
و قال الامام أحمد ثنا عفان ثنا عبد الواحد ابن زياد ثنا الحارث بن حصين ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود عن أبيه قال قال عبد اللَّه بن مسعود: كنت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم حنين فولى عنه الناس و ثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين و الأنصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما و لم نولهم الدبر، و هم الذين أنزل اللَّه عليهم السكينة، قال و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بغلته يمضى قدما، فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له ارتفع رفعك اللَّه فقال «ناولني كفا من تراب» فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال «أين المهاجرين و الأنصار؟» قلت هم أولاء قال «أهتف بهم» فهتفت بهم فجاءوا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب و ولى المشركون أدبارهم.
تفرد به أحمد. و قال البيهقي أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنى أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفي أخبرنى عبد اللَّه بن عياض بن الحارث الأنصاري عن أبيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أتى هوازن في اثنى عشر ألفا فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، قال و أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا و رواه البخاري في تاريخه و لم ينسب عياضا. و قال مسدد ثنا جعفر بن سليمان ثنا عوف بن عبد الرحمن مولى أم برثن عمن شهد حنينا كافرا قال: لما التقينا نحن و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يقوموا لنا حلب شاة، فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذ غشيناه فإذا بيننا و بينه رجال حسان الوجوه فقالوا: شاهت الوجوه فارجعوا، فهزمنا من ذلك الكلام. رواه البيهقي. و قال يعقوب بن سفيان ثنا أبو سفيان ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا الوليد بن مسلم حدثني محمد بن عبد اللَّه الشعبي عن الحارث بن بدل النصري عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين و عمرو بن سفيان الثقفي قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الا عباس و أبو سفيان بن الحارث، قال فقبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم، قال فانهزمنا فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفي: فأعجرت على فرسي حتى دخلت الطائف. و روى يونس بن بكير في مغازيه عن يوسف بن صهيب بن عبد اللَّه أنه لم يبق مع رسول اللَّه يوم حنين إلا رجل واحد اسمه