البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣١ - فصل في كيفية الوقعة و ما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
و إعزازه دينه. رواه البيهقي.
و قال ابن وهب: أخبرنى يونس عن الزهري أخبرنى كثير بن العباس ابن عبد المطلب، قال قال العباس: شهدت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم حنين فلزمته أنا و أبو سفيان بن الحارث لا نفارقه، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يركض بغلته قبل الكفار، قال العباس و أنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع، و أبو سفيان آخذ بركاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أي عباس ناد أصحاب السمرة» قال فو اللَّه لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيكاه يا لبيكاه، قال فاقتتلوا هم و الكفار و الدعوة في الأنصار و هم يقولون:
يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج فقالوا يا بنى الحارث بن الخزرج فنظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال «هذا حين حمى الوطيس» ثم أخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال «انهزموا و رب محمد» قال فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال فو اللَّه ما هو الا أن رماهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا، و أمرهم مدبرا. و رواه مسلم عن أبى الطاهر عن ابن وهب به نحوه. و رواه أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه.
و روى مسلم من حديث عكرمة ابن عمار عن اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: غزونا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، و توارى عنى فما دريت ما صنع ثم نظرت الى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم و صحابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فولى أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أرجع منهزما و على بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى، قال فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا و مررت على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنا منهزم و هو على بغلته الشهباء، فقال «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» فلما غشوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض و استقبل به وجوههم و قال «شاهت الوجوه» فما خلى اللَّه منهم إنسانا الا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين، فهزمهم اللَّه و قسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غنائمهم بين المسلمين.
وقال أبو داود الطيالسي في مسندة ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن عبد اللَّه بن يسار عن أبى عبد الرحمن الفهري قال: كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لأمتى و ركبت فرسي فأتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول اللَّه و رحمة اللَّه و بركاته، قد حان الرواح يا رسول اللَّه؟ قال «أجل» ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال: لبيك و سعديك و أنا فداؤك؟ فقال «أسرج لي فرسي» فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر و لا بطر، قال فركب فرسه فسرنا يومنا