البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢ - فصل فيما لقي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ من المشركين قبحهم اللَّه
أنس: عمى (قال هاشم: أنس بن النضر) سميت به و لم يشهد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم بدر. قال فشق عليه و قال: أول مشهد شهده رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غبت عنه، و لئن أرانى اللَّه مشهدا فيما بعد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليرينّ اللَّه ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد.
قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع و ثمانون من ضربة و طعنة و رمية. قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخى إلا ببنانه. و نزلت هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه و في أصحابه. و رواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد. و رواه الترمذي و النسائي من حديث عبد اللَّه بن المبارك و زاد النسائي و ابو داود و حماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. و قال الترمذي حسن صحيح. و
قال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال كان أبىّ بن خلف أخو بنى جمح قد حلف و هو بمكة ليقتلن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما بلغت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حلفته قال:
بل أنا أقتله ان شاء اللَّه.
فلما كان يوم أحد أقبل أبى في الحديد مقنعا و هو يقول: لا نجوت إن نجا محمد. فحمل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه فقتل مصعب بن عمير و أبصر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ترقوة أبىّ بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع و البيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع الى الأرض عن فرسه و لم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه و هو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أ جزعك؟ انما هو خدش. فذكر لهم قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنا أقتل أبيا، ثم قال و الّذي نفسي بيده لو كان هذا الّذي بى بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات الى النار فسحقا لأصحاب السعير. و قد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيّب نجوة. و
قال ابن إسحاق لما أسند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب أدركه أبىّ بن خلف و هو يقول: لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشعب أدركه أبىّ بن خلف و هو يقول: لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول اللَّه يعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): دعوه! فلما دنا منه تناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم كما ذكر لي فلما أخذها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.
ذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد اللَّه ابن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك. قال الواقدي و كان ابن عمر يقول: مات أبىّ بن خلف ببطن رابغ، فانى لاسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تأججت فهبتها و إذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، هذا أبىّ بن خلف. و قد ثبت
في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزّاق عن معمر عن همام عن