البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٥ - كتاب بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ملوك الآفاق و كتبه اليهم يدعوهم الى اللَّه عز و جل و إلى الدخول في دين الإسلام
بعد أن يدخل فيه؟ قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا قال فهل يغدر، قلت لا و نحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال و لم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال فهل قاتلتمونه؟ قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت الحرب بيننا و بينه سجال ينال منا و ننال منه، قال ما ذا يأمركم؟ قلت يقول اعبدوا اللَّه وحده و لا تشركوا به شيئا و اتركوا ما يقول آباؤكم و يأمرنا بالصلاة و الصدق و العفاف و الصلة، فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب و كذلك الرسل تبعث في نسب قومها. و سألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله، و سألتك هل كان من آبائه [من ملك] فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، و سألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس و يكذب على اللَّه، و سألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه و هم أتباع الرسل، و سألتك أ يزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون و كذلك أمر الايمان حتى يتم، و سألتك أ يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا و كذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب، و سألتك هل يغدر فذكرت أن لا و كذلك الرسل لا تغدر، و سألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا اللَّه و لا تشركوا به شيئا و ينهاكم عن عبادة الأوثان و يأمركم بالصلاة و الصدق و العفاف، فان كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمىّ هاتين. و قد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أعلم أنى أخلص اليه لتجشمت لقاءه، و لو كنت عنده لغسلت عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فإذا فيه، بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد بن عبد اللَّه و رسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد، فانى أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فان توليت فان عليك إثم الاريستين و يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
قال أبو سفيان: فلما قال ما قال و فرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب و ارتفعت الأصوات و أخرجنا، فقلت لأصحابي حين خرجنا لقد امّر أمر ابن أبى كبشة أنه يخافه ملك بنى الأصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل اللَّه عليّ الإسلام قال و كان ابن الناطور صاحب إيلياء و هرقل أسقف على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس، فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك؟ قال ابن الناطور: و كان هرقل حزّاء ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان