البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٦ - كتاب بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ملوك الآفاق و كتبه اليهم يدعوهم الى اللَّه عز و جل و إلى الدخول في دين الإسلام
قد ظهر فمن يختتن من هذه الأمم؟ قالوا ليس يختتن الا اليهود و لا يهمنك شأنهم و اكتب الى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود، فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسّان فخبرهم عن خبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أ مختتن هو أم لا؟ فنظروا اليه فحدثوه أنه مختتن، و سأله عن العرب فقال هم يختتنون، فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر. ثم كتب إلى صاحب له بروميّة- و كان نظيره في العلم- و سار هرقل إلى حمص فلم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأى هرقل على خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو نبي، فآذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت، ثم اطلع فقال: يا معشر الروم هل لكم في الفلاح و الرشد و أن يثبت لكم ملككم؟ فتتابعوا لهذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الأبواب فوجدوها قد غقت، فلما رأى هرقل نفرتهم و أيس من الايمان قال ردوهم على، و قال إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت، فسجدوا له و رضوا عنه. فكان ذلك آخر شأن هرقل. قال البخاري: و رواه صالح بن كيسان و يونس و معمر عن الزهري. و قد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها. و أخرجه بقية الجماعة الا ابن ماجة من طرق عن الزهري. و قد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية و ذكرنا فيه من الفوائد و النكت المعنوية و اللفظية و للَّه الحمد و المنة. و قال ابن لهيعة عن الأسود عن عروة قال: خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش و بلغ هرقل شأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأرسل إلى صاحب العرب الّذي بالشام في ملكه يأمره أن يبعث اليه برجال من العرب يسألهم عنه، فأرسل اليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان ابن حرب، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها، فقال هرقل: أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الّذي بمكة ما أمره؟ قالوا ساحر كذاب و ليس بنبي، قال فأخبروني من أعلمكم به و أقربكم منه رحما؟ قالوا هذا أبو سفيان ابن عمه و قد قاتله، فلما أخبروه ذلك أمر بهم فاخرجوا عنه ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره، قال أخبرني يا أبا سفيان؟ فقال هو ساحر كذاب، فقال هرقل إني لا أريد شتمه و لكن كيف نسبه فيكم؟ قال هو و اللَّه من بيت قريش، قال كيف عقله و رأيه؟ قال لم يغب له رأى قط، قال هرقل هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره؟ قال لا و اللَّه ما كان كذلك، قال لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لأحد من أهل بيته قبله؟ قال أبو سفيان لا، ثم قال من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد؟ قال لا، قال هرقل هل يغدر إذا عاهد؟ قال لا إلا أن يغدر مدته هذه. فقال هرقل و ما تخاف من مدته هذه؟ قال إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه و هو بالمدينة، قال هرقل إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم أغدر، فغضب ابو سفيان و قال لم يغلبنا الامرة واحدة و أنا يومئذ غائب و هو يوم