البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٧ - فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد و جعفر و عبد اللَّه رضى اللَّه عنهم
أحمد بن أبى بكر ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد اللَّه الجهنيّ عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة، أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة و أنى كنت ألزم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بشبع بطني خبز لا آكل الخمير و لا ألبس الحرير و لا يخدمني فلان و فلانة، و كنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، و إن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معى كي ينقلب بى فيطعمني، و كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب، و كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكّة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. تفرد به البخاري. و قال حسان ابن ثابت يرثى جعفرا:
و لقد بكيت و عز مهلك جعفر* * * حب النبي على البرية كلها
و لقد جزعت و قلت حين نعيت لي* * * من للجلاد لدى العقاب و ظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها* * * ضربا و إنهال الرماح و علها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر* * * خير البرية كلها و أجلها
رزءا و أكرمها جميعا محتدا* * * و أعزها متظلما و أذلها
للحق حين ينوب غير تنحل* * * كذبا و أنداها يدا و أقلها
فحشا و أكثرها إذا ما يجتدى* * * فضلا و أنداها يدا و أبلها
بالعرف غير محمد لا مثله* * * حي من أحياء البرية كلها
و اما ابن رواحة فهو عبد اللَّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد و يقال أبو رواحة، و يقال أبو عمرو الأنصاري الخزرجي و هو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة أسلم قديما و شهد العقبة و كان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج و شهد بدرا و أحدا و الخندق و الحديبيّة و خيبر و كان يبعثه على خرصها كما قدمنا و شهد عمرة القضاء و دخل يومئذ و هو ممسك بزمام ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قيل بغزها- يعنى الركاب- و هو يقول*
خلوا بنى الكفار عن سبيله
* الأبيات كما تقدم. و كان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم و قد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك و شجع نفسه أيضا حتى نزل بعد ما قتل صاحباه، و قد شهد له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة. و
يروى أنه لما أنشد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شعره حين و دعه الّذي يقول فيه:
فثبت اللَّه ما آتاك من حسن* * * تثبيت موسى و نصرا كالذي نصروا
قال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و أنت فثبتك اللَّه»
قال هشام بن عروة: فثبته اللَّه حتى قتل شهيدا و دخل الجنة. و
روى حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبى ليلى أن عبد اللَّه بن رواحة أتى