البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - غزوة مؤتة
حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم و عرب النصارى فقط. و موسى بن عقبة و الواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم و العرب الذين معهم و هو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا، ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه ففتح اللَّه على يديه. و رواه البخاري و هذا هو الّذي رجحه و مال اليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث.
قلت: و يمكن الجمع بين قول ابن إسحاق و بين قول الباقين و هو أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم و المستعربة، فلما أصبح و حول الجيش ميمنة و ميسرة و مقدمة و ساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء الى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بأذن اللَّه و اللَّه أعلم. و قد
قال ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر عن عروة قال لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون معه [قال و لقيهم الصبيان يشتدون و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مقبل مع القوم على دابة فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم و اعطونى ابن جعفر فأتى بعبد اللَّه فأخذه فحمله بين يديه] فجعلوا يحثون عليهم بالتراب و يقولون يا فرار فررتم في سبيل اللَّه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «ليسوا بالفرار و لكنهم الكرار إن شاء اللَّه عز و جل» و هذا مرسل من هذا الوجه و فيه غرابة،
و عندي أن ابن إسحاق قد و هم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش، و إنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان، و أما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمسلمين و هو على المنبر في قوله ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه ففتح اللَّه على يديه، فما كان المسلمون ليسمونهم فرارا بعد ذلك و إنما تلقوهم إكراما و إعظاما، و إنما كان التأنيب و حثى التراب للذين فروا و تركوهم هنالك، و قد كان فيهم عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما،
قال الامام احمد حدثنا حسن ثنا زهير ثنا يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عبد اللَّه بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحاص الناس حيصة و كنت فيمن حاص، فقلنا كيف نصنع و قد فررنا من الزحف و بؤنا بالغضب؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة قتلنا، ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فان كانت لنا توبة و الا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال من القوم؟ قال قلنا نحن فرارون، فقال لا بل أنتم الكرارون انا فئتكم و انا فئة المسلمين، قال فأتيناه حتى قبلنا يده.
ثم رواه غندر عن شعبة عن يزيد بن أبى زياد عن ابن أبى ليلى عن ابن عمر قال: كنا في سرية ففررنا فأردنا أن نركب البحر، فأتينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلنا يا رسول اللَّه نحن الفرارون، فقال لا بل أنتم العكارون. رواه الترمذي و ابن ماجة من حديث يزيد بن أبى زياد و قال الترمذي حسن لا نعرفه الا من حديثه.
و قال احمد حدثنا إسحاق بن عيسى و أسود بن عامر قالا: حدثنا شريك عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن ابى ليلى عن ابن عمر قال: بعثنا رسول