البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - فصل في غزوة بنى قريظة
جبريل (عليه السلام)- فأتاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحاصرهم خمسا و عشرين ليلة فلما اشتد حصرهم و اشتد البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر فاشار اليهم أنه الذبح قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأتى به على حمار عليه اكاف من ليف قد حمل عليه و حف به قومه فقالوا يا أبا عمرو حلفاؤك و مواليك و أهل النكاية و من قد علمت قالت و لا يرجع اليهم شيئا و لا يلتفت اليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت الى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالى في اللَّه لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قوموا الى سيدكم فأنزلوه قال عمر: سيدنا اللَّه، قال: أنزلوه، فأنزلوه. قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أحكم فيهم، فقال سعد: فأنى أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم و تسبى ذراريهم و تقسم أموالهم فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه و حكم رسوله ثم دعا سعد فقال: اللَّهمّ إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقنى لها و ان كنت قطعت الحرب بينه و بينهم فاقبضنى إليك قالت: فانفجر كلمه و كان قد بريء حتى لا يرى منه الا مثل الخرص و رجع الى قبته التي ضرب عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالت عائشة: فحضره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر و عمر قالت: فو الّذي نفس محمد بيده أنى لأعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر و أنا في حجرتي و كانوا كما قال اللَّه «رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» قال علقمة: فقلت يا أمّة فكيف كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد و لكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
و هذا الحديث إسناده جيد و له شواهد من وجوه كثيرة، و فيه التصريح بدعاء سعد مرتين مرة قبل حكمه في بنى قريظة و مرة بعد ذلك كما قلناه أولا و للَّه الحمد و المنة و سنذكر كيفية وفاته و دفنه و فضله في ذلك رضى اللَّه عنه و أرضاه بعد فراغنا من القصة. قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا فحبسهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار قلت: هي نسيبة ابنة الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس و كانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد اللَّه بن عامر بن كريز، ثم خرج (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم بعث اليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق فخرج بهم اليه إرسالا و فيهم عدو اللَّه حيي بن أخطب و كعب بن أسد رأس القوم و هم ستمائة أو سبعمائة. و المكثر لهم يقول كانوا ما بين الثمانمائة و التسعمائة.
قلت: و قد تقدم فيما رواه الليث عن أبى الزبير عن جابر أنه كانوا أربعمائة فاللَّه أعلم. قال ابن إسحاق: و قد قالوا لكعب بن أسد و هم يذهب بهم الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أ في كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع و من ذهب به منكم لا يرجع هو و اللَّه القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم و أتى بحيي بن أخطب و عليه حلة له فقاحية [١] قد شقها
[١] قال ابن هشام «فقاحية: ضرب من الوشي»