المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٦٧ - الفصل الأول في بيان ان النفس الانسانية ليست بجسم و لا منطبعة في جسم
(و اعلم) انه ليس من الواجب في صحة ما قلنا ان لا يكون عقل شيخ يكل بل اذا كان عقل ما لم يكل في الشيخوخة و ان كان سائر العقول يكل فالمطلوب قد صح فانه ان كانت النفس محتاجة في ذاتها الى البدن كان اختلال البدن موجبا لاختلال النفس لا محالة فحينئذ يستحيل ان يختل البدن و تكون النفس سليمة اما اذا كانت النفس غنية في ذاتها عن البدن لا يلزم ان تختل افعال النفس عند اختلال البدن نعم قد يجوز ان يكون اشتغالها بتدبير البدن عند اختلاله يعوقها عن سائر افعالها و ذلك مثل ما يعرض للفارس الراكب فرسا ردي الحركات فانه يصير اشتغاله بمراعات مركبه مانعا له عن افعاله الخاصة به و ليس صدورها عنه بشركة الفرس و يجوز ان يكون الفعل الذي ليس بالشركة موقوفا على الفعل الذي بالشركة مثل انه قد يحتاج في اكتساب المعقولات في اول الامر الى تخيلات تتصرف فيها النفس تصرفا سنذكره فاذا عاقت عن استعمال التخيلات آفة في اعضاء التخيل كلت القوة العاقلة عن افعالها فالشيخ اذا عرض له الانصراف عن المعقولات فالسبب فيه انه قد شغل عن افعاله الخاصة او عرضت الآفة لشيء ربما احتاج اليه في هذه الافعال لا لان جوهر نفسه قد ضعف فان الشيخ لو اعطى عينا كعين الشاب في المزاج لكان حسه مثل حس الشاب بل الشيخوخة ضعف في الآلات البدنية يشبه حال السكر و الاغماء^ (فان قيل) الشيخ لعله انما يمكنه ان يستمر في افعال عقله على الصحة لان عقله يتم بعضو من البدن يتأخر اليه الفساد و الاستحالة و ان ظهرت الآفة في سائر القوى و الافعال^ (فنقول) الاعضاء الطرفية انما يلحقها الضعف و الفساد لضعف يسبق