المباحث المشرقية فى علم الالهيات و الطبيعيات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٦ - الفصل الأول في اثبات القوى الباطنة الخمس
(الدليل الثالث) ان الانسان ربما يدرك صورا لا وجود لها في الخارج مثل ما يعرض للمبرسمين و كما يعرض ايضا للنائم في رؤياه فانه يشاهد صورا محسوسة و اصواتا مسموعة يميزها عن غيرها و كذلك الذي يشاهده اصحاب النفوس القوية من الانبياء و الاولياء و كذلك الكهنة فانهم ربما يشاهدون صورا محسوسة لا يرتابون فيها و يميزون بينها و بين غيرها من الصور و يجدون بينها و بين غيرها من الصور الموجودة في كونها مشاهدة فرقا فاذا لتلك الصور وجود فان العدم المحض يمتنع ان يتميز عن غيره بحيث يكون مشاهدا بحسب ما تشاهد سائر الامور الوجودية و وجودها ليس في الخارج و الا لرءاها كل من كان سليم الحس فاذا تلك الامور وجودها في المدرك و ذلك يستحيل ان يكون شيئا غير جسمانى لما سنبين ان ما لا يكون جسما و جسمانيا يمتنع ان تنطبع فيه صور الجسمانيات و ليس ذلك هو الحس الظاهر فانه يتعطل في النوم و لانه ربما كان الذي يتخيل مسمول العينين فبقى ان يكون المدرك لتلك الصور قوة باطنة و ليس ذلك الخيال الذي هو حافظ الصور و الا لكان كل ما كان مخزونا فيه كان متمثلا مشاهدا و ليس كذلك فبقى ان يكون المدرك لذلك قوة اخرى جسمانية و هو المطلوب^ (و اعلم) ان القدح في هذه الحجة ليس الا في قولهم ليس المدرك لهذه الصور هو جوهر النفس بل الحق عندنا ان المدرك لذلك هو جوهر النفس على ما سيتضح ذلك بالبراهين القاطعة^ (و احتج من نفى) هذه القوة بدليلين (الأول) ان النائم قد يرى في النوم جبلا من الياقوت و بحرا من النار و هذه الصورة العظيمة يستحيل انطباعها فى جزء البدن لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فاذا محل هذه الصورة