موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ٤٨ - حبيب بن مُظهِّر الأسدي والعبادة
وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ هذه العبادة التي تمتّع بها حبيب (رض) لم تكن عبادة مجرّدة عن الوعي والبصيرة كما هو حال الكثير من أبناء هذه الأمّة، حيث تراهم يسجدون الليل كلّه لله ولكنّهم يتحوّلون في النهار من حيث يشعرون أو لا يشعرون إلى مطيّة الشيطان والسلطان، إنّ عبادة حبيب كانت من نوع وسنخ عبادة الأحرار، والتي وصفها سيد الشهداء(علیه السلام) بقوله:
«إنّ العباد ثلاثة، قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، وقوم عبدوا الله عزّ وجلّ حبّاً فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة» ([٩٩]).
وإنّما أصبحت هذه العبادة هي أفضل من غيرها؛ وذلك لأنّ صاحبها إنّما يقوم بتكليفه وأداء ما عليه لأنّه يرى الله أهلاً لهذا التكليف وهذا الأداء، وهناك فرق كبير وواسع بين مَن يعبد الله عزّ وجلّ من أجل أن يدفع عن نفسه الضُرّ والبأس - كذاك الذي لا يترك الصلاة خوفاً مِن أن تناله عقوبة تارك الصلاة - وبين مَن يعبد الله حبّاً وشوقاً نتيجة معرفته به وبعظمة آلائه ونِعَمِه عليه، فمثل هذا الإنسان لا يبقى في دائرة أداء الواجب فقط، وإنّما يتعدّاها إلى غيرها من المستحبّات، ومع كلّ هذا لا يرى نفسه قد وفّت حق الله أو استوعبت استحقاقه عليها.
وما أجمل كلمة القرآن الكريم وهو يتحدّث عن هذه النخبة من
[٩٩] وسائل الشيعة: ج١، ص٦٢.