موسوعة في ظلال شهداء الطف - الصمياني، حيدر - الصفحة ٢٣٨ - شهادته
لقد وقفت أمام هذه الرواية طويلاً، وأطلقت لفكري العنان لكي يسرح في فقرات هذه الكلمات التي قالها أخٌ يقف على الطرف النقيض لأخيه، فيكون هو في أعلى درجات الضلال والسقوط، ويكون أخوه في أعلى درجات الهداية والصلاح، إنّه لدرس عظيم أن يخرج من صلب واحد ومن رحم واحدة ومن بيت واحد رجلان، أحدهما كان عوناً للهداية على الضلال، والآخر عوناً للضلال على الهداية، يقف في وجهه ويتحدّث مع الحسين بلهجة ملؤها القسوة والعنجهية المقيتة: يا حسين يا كذّاب! ويقف أخوه ليقول للحسين، بعد أن أخذت الدماء كلَّ مأخذ: أوفيت يا بن رسول الله. إنّه الدرس الذي يعطيه لنا الشهيد الكربلائي حيث يصل إلى أعلى درجات سلّم الكمال بإرادته وحسن اختياره وبالمقابل يقع أخوه ضحية سوء اختياره، ليصل إلى أسفلَ سافلين، يقول الله سبحانه:
(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)([٤٣٠]).
والشيء الملفت للنظر والذي يستدعي منّا التأمّل والتدبّر كثيراً هو قول علي ابن قرظة للحسين: أغررت أخي وقتلته، مع أنّ الذي قتله ليس هو الحسين، بل الذي قتله هو الجيش الذي وقف بوجه الحسين والذي كان عليٌّ أحد أفراده، ولكنّه منطق الظلمة والجبابرة عبر العصور، يقتلون الناس ويروّعونهم ومع ذلك ينسبون الأمر إلى الله، ولي على هذا المنطق الذي يحدّث به علي بن قرظة مجموعة من الشواهد التاريخية والتي تؤكّد على أنّ هذ الذي قاله قد قاله غيره من الظلمة:
[٤٣٠] سورة الكهف، الآية: ٢٩.