نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٩٨ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
عليك مؤونة، و أحسن لك معونة، و أحنى عليك عطفا، و أقلّ لغيرك إلفا [١]، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك و حفلاتك، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك [٢] و أقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللّه لأوليائه واقعا [ذلك] من هواك حيث وقع [٣]. و الصق بأهل الورع و الصّدق، ثمّ رضهم على أن لا يطروك [٤] و لا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزّهو و تدنى من العزّة.
و لا يكوننّ المحسن و المسىء عندك بمنزلة سواء، فإنّ فى ذلك تزهيدا لأهل الاحسان فى الاحسان، و تدريبا لأهل الإساءة على الاساءة! و ألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه [٥]. و اعلم أنّه ليس شىء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم [٦] و تخفيفه المؤونات عليهم، و ترك استكراهه إيّاهم على ما ليس
[١] الألف - بالكسر -: الألفة و المحبة.
[٢] ليكن أفضلهم لديك أكثرهم قولا بالحق المر، و مرارة الحق: صعوبته على نفس الوالى.
[٣] «واقعا»: حال مما «كره اللّه»، أى: لا يساعدك على ما كره اللّه حال كونه نازلا من ميلك إليه أى منزلة، أى: و إن كان من أشد مرغوباتك
[٤] «رضهم»: أى: عودهم على أن لا يطروك - أى: يزيدوا فى مدحك - و لا يبجحوك - أى: يفرحوك بنسبة عمل عظيم إليك و لم تكن فعلته، و الزهو - بالفتح -: العجب. و «تدنى» أى: تقرب من العزة، أى: الكبر
[٥] فان المسيء لزم نفسه استحقاق العقاب، و المحسن ألزمها استحقاق الكرامة
[٦] إذا أحسن الوالى إلى رعيته وثق من قلوبهم بالطاعة له، فان الاحسان قياد الانسان فيحسن ظنه بهم، بخلاف ما لو أساء إليهم، فان الاساءة تحدث العداوة فى نفوسهم فينتهزون الفرصة لعصيانه فيسوء ظنه بهم