نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨١ - ٤٥ - و من كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى، و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها
أ أقنع من نفسى بأن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم فى مكاره الدّهر؟ أو أكون أسوة لهم فى جشوبة العيش [١]، فما خلقت ليشغلنى أكل الطّيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها [٢] تكترش من أعلافها، و تلهو عمّا يراد بها، أو أترك سدى و أهمل عابثا، أو أجرّ حبل الضّلالة، أو أعتسف طريق المتاهة [٣]. و كأنّى بقائلكم يقول: «إذا كان هذا قوت ابن أبى طالب فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران و منازلة الشّجعان»؟! ألا و إنّ الشّجرة البريّة أصلب عودا، و الرّوائع الخضرة أرقّ جلودا [٤]، و النّباتات البدويّة أقوى وقودا [٥] و أبطأ خمودا! و أنا من رسول اللّه كالصّنو من الصّنو، و الذّراع من العضد [٦]. و اللّه لو تظاهرت العرب على
[١] الجشوبة: الخشونة، و تقول: جشب الطعام - كنصر و سمع - فهو جشب و جشب - كشهم و بطر - و جشيب و مجشاب و مجشوب، أى: غلظ فهو غليظ، او بلا أدم، و جشبه: طحنه جريشا.
[٢] التقاطها للقمامة، أى: الكناسة، و «تكترش» أى: تملأ كرشها.
[٣] اعتسف: ركب الطريق على غير قصد، و المتاهة: موضع الحيرة.
[٤] الروائع الخضرة: الأشجار، و الأعشاب الغضة: الناعمة الحسنة.
[٥] الوقود: اشتعال النار، أى: إذا وقدت بها النار تكون أقوى اشتعالا من النباتات غير البدوية و أبطأ منها خمودا، و يروى «و النباتات العذية أقوى وقودا» و هى النباتات التى لا يسقيها إلا ماء المطر،
[٦] الصنوان: النخلتان يجمعهما أصل واحد، فهو من جرثومة الرسول يكون «٦ - ن - ج - ٣» فى حاله، كما كان شديد البأس و إن كان خشن المعيشة.