نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٧٩ - ٤٥ - و من كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى، و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها
قد اكتفى من دنياه بطمريه [١]، و من طعمه بقرصيه، ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينونى بورع و اجتهاد، و عفّة و سداد [٢]. فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادّخرت من غنائمها وفرا [٣] و لا أعددت لبالى ثوبى طمرا [٤]. [و لا حزت من أرضها شبرا، و لا أخذت منه إلاّ كقوت أتان دبرة، و لهى فى عينى أوهى و أهون من عفصة مقرة] بلى؟ كانت فى أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء، فشحّت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس قوم آخرين. و نعم الحكم اللّه! و ما أصنع بفدك و غير فدك و النّفس مظانّها فى غد جدث [٥]؟ تنقطع فى ظلمته آثارها، و تغيب أخبارها، و حفرة لو
[١] الطمر - بالكسر -: الثوب الخلق
[٢] إن ورع الولاة و عفتهم يعين الخليفة على إصلاح شؤون الرعية
[٣] التبر - بكسر فسكون -: فتات الذهب و الفضة قبل أن يصاغ، و الوفر: المال.
[٤] أى: ما كان يهيئ لنفسه طمرا آخر بدلا عن الثوب الذى يبلى، بل كان ينتظر حتى يبلى ثم يعمل الطمر. و الثوب هنا عبارة عن الطمرين، فان مجموع الرداء و الازار يعد ثوبا واحدا فبهما يكسو البدن لا بأحدهما.
[٥] فدك - بالتحريك -: قرية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، كان صالح أهلها على النصف من نخيلها بعد خيبر، و إجماع الشيعة على أنه كان أعطاها فاطمة رضى اللّه عنها قبل وفاته، إلا أن أبا بكر - رضى اللّه عنه - ردها لبيت المال قائلا: «إنها كانت مالا فى يد النبى يحمل به الرجال، و ينفقه فى سبيل اللّه، و أنا اليه كما كان عليه». و القوم الآخرون الذين سخت نفوسهم عنها هم بنو هاشم. و المظان: جمع مظنة و هو المكان الذى يظن فيه وجود الشىء، و موضع النفس الذى يظن وجودها فيه فى غد جدث - بالتحريك - أى قبر:.