نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٨٠ - ٤٥ - و من كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى، و هو عامله على البصرة و قد بلغه أنه دعى إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها
زيد فى فسحتها، و أوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر و المدر [١]، و سدّ فرجها التّراب المتراكم، و إنّما هى نفسى أروضها بالتّقوى [٢] لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر، و تثبت على جوانب المزلق [٣]، و لو شئت لاهتديت الطّريق [٤] إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القزّ، و لكن هيهات أن يغلبنى هواى، و يقودنى جشعى [٥] إلى تخيّر الأطعمة و لعلّ بالحجاز أو اليمامة [٦] من لا طمع له فى القرص، و لا عهد له بالشّبع!! أو أبيت مبطانا و حولى بطون غرثى، و أكباد حرّى!! أو أكون كما قال القائل:
و حسبك داء أن تبيت ببطنة [٧]و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ!
[١] أضغطها: جعلها من الضيق بحيث تضغط و تعصر الحال فيها.
[٢] أروضها: أذللها.
[٣] المزلق - و مثله المزلقة - موضع الزلة، و هو المكان الذى تخشى فيه الزلة، و هو الصراط، و تقول: زلقت رجله - من باب طرب - و أزلقها غيره.
[٤] كان - كرم اللّه وجهه - إماما عالى السلطان واسع الامكان، فلو أراد التمتع بأى اللذائذ شاء لم يمنعه مانع، و هو قوله «لو شئت لاهتديت الخ» و القز: الحرير.
[٥] الجشع: شدة الحرص.
[٦] جملة «و لعل - الخ»: حالية عمل فيها تخير الأطعمة، أى: هيهات أن يتخير الأطعمة لنفسه و الحال أنه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص، أى: الرغيف، و لا طمع له فى وجوده لشدة الفقر، و لا يعرف الشبع. و هيهات أن يبيت مبطانا - أى: ممتلئ البطن - و الحال أن حوله بطونا غرثى - أى: جائعة - و أكبادا حرى، مؤنث حران، أى: عطشان.
[٧] البطنة - بكسر الباء -: البطر و الأشر و الكظة، و القد - بالكسر - سير من جلد غير مدبوغ، أى: إنها تطلب أكلا و لا تجده.