نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٥٧ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
جرّ إلى حرب [١]، فليس كلّ طالب بمرزوق، و لا كلّ مجمل بمحروم، و أكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقتك إلى الرّغائب، فانّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا [٢] و لا تكن عبد غيرك و قد جعلك اللّه حرّا، و ما خير خير لا ينال إلاّ بشرّ [٣] و يسر لا ينال إلاّ بعسر؟! [٤]
و إيّاك أن توجف بك مطايا الطّمع [٥] فتوردك مناهل الهلكة، و إن استطعت أن لا يكون بينك و بين اللّه ذو نعمة فافعل، فإنّك مدرك قسمك، و آخذ سهمك! و إنّ اليسير من اللّه - سبحانه - أعظم و أكرم من الكثير من خلقه و إن كان كلّ منه.
و تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك [٦]
[١] الحرب - بالتحريك -: سلب المال
[٢] إن رغائب المال إنما تطلب لصون النفس عن الابتذال فلو بذل باذل نفسه لتحصيل المال فقد ضيع ما هو المقصود من المال، فكان جمع المال عبثا عوضا لما ضيع
[٣] يريد أى خير فى شىء سماه الناس خيرا و هو مما لا يناله الانسان إلا بالشر، فان كان طريقه شرا فكيف يكون هو خيرا
[٤] إن العسر الذى يخشاه الانسان هو ما يضطره لرذيل الفعال، فهو يسعى كل جهده ليتحامى الوقوع فيه، فان جعل الرذائل وسيلة لكسب اليسر - أى: السعة - فقد وقع أول الأمر فيما يهرب منه، فما الفائدة فى يسره و هو لا يحميه من النقيصة؟
[٥] توجف: تسرع، و المناهل: ما ترده الابل و نحوها للشرب
[٦] التلافى: التدارك لاصلاح ما فسد او كاد، و «ما فرط» أى: قصر عن إفادة الغرض أو إنالة الوطر، و إدراك ما فات: هو اللحاق به لأجل استرجاعه، و «فات» أى: سبق إلى غير صواب، و سابق الكلام لا يدرك فيسترجع، بخلاف تقصير السكوت فسهل تداركه، و إنما يحفظ الماء فى القربة مثلا بشد وكائها - أى: رباطها - و إن لم يشد الوكاء صب فى الوعاء و لم يكن إرجاعه، فكذلك اللسان