نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٣ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
الموت، و حليف الهموم، و قرين الأحزان، و نصب الآفات [١]، و صريع الشّهوات، و خليفة الأموات
أمّا بعد، فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّى، و جموح الدّهر علىّ [٢]، و إقبال الآخرة إلىّ، ما يرغّبنى عن ذكر من سواى [٣]، و الاهتمام بما ورائى [٤] غير أنّى حيث تفرّد بى - دون هموم النّاس - همّ نفسى، فصدقنى رأيى، و صرفنى عن هوائى [٥]، و صرّح لى محض أمرى، فأفضى بى إلى جدّ لا يكون فيه لعب، و صدق لا يشوبه كذب، و وجدتك بعضى، بل وجدتك كلّى، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابنى، و كأنّ الموت لو أتاك أتانى فعنانى من أمرك ما يعنينى من أمر نفسى، فكتبت إليك [٦] [كتابى]
[١] من قولهم «فلان نصب عينى» - بالضم - أى: لا يفارقنى، هكذا قال الأستاذ الامام، و عندى أن خيرا من ذلك ضبط «نصب» بفتحتين أو بفتح فسكون و هو الغاية أو العلم المنصوب، فكأن يريد أنه غاية تنتهى الآفات عندها فتلقى عصاها و تستقر لديه، أو كأنه علم منصوب لا تهتدى الآفات إلا إليه و لا تقع إلا عليه. و الصريع: الطريح
[٢] جموح الدهر: استعصاؤه و تغلبه
[٣] «ما» خبر «أن»، و روى «فاننى فيما تبينت - الخ» و عليه فما مفعول «تبينت»
[٤] من أمر الآخرة
[٥] صدفه: صرفه، و الضمير المستتر فى «صرفنى» للرأى. و محض الأمر: خالصه
[٦] مفعول كتب هو قوله «فانى أوصيك - الخ»، هكذا قال الأستاذ الامام، و ظاهر غاية الظهور أنه لا يتأتى على النسخة التى فيها زيادة «كتابى» و هى النسخة التى شرح عليها ابن أبى الحديد، و قوله «مستظهرا به» أى: مستعينا بما أكتب إليك على ميل قلبك و هوى نفسك.