نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١١٨ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
بذمّتك و لا تخيسنّ بعهدك [١] و لا تختلنّ عدوّك، فانّه لا يجترئ على اللّه إلاّ جاهل شقىّ. و قد جعل اللّه عهده و ذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته [٢]، و حريما يسكنون إلى منعته، و يستفيضون إلى جواره [٣] فلا إدغال و لا مدالسة [٤] و لا خداع فيه، و لا تعقد عقدا تجوّز فيه العلل [٥]، و لا تعوّلنّ على لحن قول بعد التّأكيد و التّوثقة، و لا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحقّ، فإنّ صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه و فضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، و أن تحيط بك من اللّه فيه طلبة [٦]،
[١] خاس بعهده: خان و نقضه. و الختل: الخداع.
[٢] الأمن: الأمان، و «أفضاه» هنا بمعنى أفشاه، و أصله المزيد من «فضا فضوا» - من باب قعد - أى: اتسع، فالرباعى بمعنى وسعه، و السعة مجازية يراد بها الافشاء و الانتشار. و الحريم: ما حرم عليك أن تمسه، و المنعة - بالتحريك - ما تمتنع به من القوة
[٣] «يستفيضون» أى: يفزعون إليه بسرعة
[٤] الادغال: الافساد. و المدالسة: الخيانة
[٥] العلل: جمع علة، و هى فى النقد و الكلام، بمعنى ما يصرفه عن وجهه و يحوله إلى غير المراد، و ذلك يطرأ على الكلام عند إبهامه و عدم صراحته. و لحن القول: ما يقبل التوجيه كالتورية و التعريض، فاذا تعلل بهذا المقاعد لك و طلب شيئا لا يوافق ما أكدته و أخذت عليه الميثاق فلا تعول عليه. و كذلك لو رأيت ثقلا من التزام العهد فلا تركن إلى لحن القول لتتملص منه، فخذ بأصرح الوجوه لك و عليك
[٦] و «أن تحيط»: عطف على «تبعة» أى: و تخاف أن تتوجه عليك من اللّه مطالبة بحقه فى الوفاء الذى غدرته و يأخذ الطلب بجميع أطرافك فلا يمكنك التخلص منه و يصعب عليك أن تسأل اللّه أن يقيلك من هذه المطالبة بعفو عنك فى دنيا أو آخرة بعد ما تجرأت على عهده بالنقض