نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٥ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
بمراجعة الخصم، و أصبرهم على تكشّف الأمور، و أصرمهم عند اتّضاح الحكم، ممّن لا يزدهيه إطراء [١]، و لا يستميله إغراء، و أولئك قليل، ثمّ أكثر تعاهد قضائه [٢] و افسح له فى البذل ما يزيل علّته [٣]، و تقلّ معه حاجته إلى النّاس، و أعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك [٤] ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك، فانظر فى ذلك نظرا بليعا، فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا فى أيدى الأشرار: يعمل فيه بالهوى، و تطلب به الدّنيا.
ثمّ انظر فى أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا [٥]، و لا تولّهم محاباة و أثرة، فإنّهم جماع من شعب الجور و الخيانة، و توخّ منهم أهل التّجربة و الحياء من أهل البيوتات الصّالحة و القدم فى الإسلام [٦]
[١] لا يزدهيه: لا يستخفه زيادة الثناء عليه
[٢] تعاهده: تتبعه بالاستكشاف و التعرف، و ضمير «قضائه» لأفضل الرعية الموصوف بالأوصاف السابقة
[٣] البذل: العطاء، أى: أوسع له حتى يكون ما يأخذه كافيا لمعيشة مثله و حفظ منزلته
[٤] إذا رفعت منزلته عندك هابته الخاصة كما تهابه العامة، فلا يجرؤ أحد على الوشاية به عندك خوفا منك و إجلالا لمن أجللته
[٥] و لهم الأعمال بالامتحان، لا محاباة، أى: اختصاصا و ميلا منك لمعاونتهم، و أثرة - بالتحريك - أى: استبدادا بلا مشورة، فانهما - أى: المحاباة و الأثرة - يجمعان الجور و الخيانة
[٦] «توخ» أى: اطلب و تحر أهل التجربة الخ. و القدم - بالتحريك -: واحدة الأقدام، أى: الخطوة السابقة. و أهلها هم الأولون.