نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٣ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
الرّعيّة، و إنّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم، و لا تصحّ نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة الأمور [١] و قلّة استثقال دولهم، و ترك استبطاء انقطاع مدّتهم، فافسح فى آمالهم و واصل فى حسن الثّناء عليهم و تعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم [٢]، فانّ كثرة الذّكر لحسن أفعالهم تهزّ الشّجاع، و تحرّض النّاكل، إن شاء اللّه.
ثمّ اعرف لكلّ امرىء منهم ما أبلى، و لا تضيفنّ بلاء امرىء إلى غيره، [٣] و لا تقصّرنّ به دون غاية بلائه، و لا يدعونّك شرف امرىء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا، و لا ضعة امرئ إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما.
و اردد إلى اللّه و رسوله ما يضلعك من الخطوب [٤] و يشتبه عليك من الأمور، فقد قال اللّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم: (يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
[١] حيطة - بكسر الحاء -: من مصادر «حاطه» بمعنى حفظه و صانه، أى: بمحافظتهم على ولاة أمورهم و حرصهم على بقائهم، و أن لا يستثقلوا دولتهم و لا يستبطئوا انقطاع مدتهم، بل يعدون زمنهم قصيرا يطلبون طوله
[٢] ما صنع أهل الأعمال العظيمة منهم، فتعديد ذلك يهز الشجاع - أى: يحركه للاقدام - و يحرض الناكل، أى: المتأخر القاعد
[٣] لا تنسبن عمل امرئ إلى غيره، و لا تقصر به فى الجزاء دون ما يبلغ منتهى عمله الجميل.
[٤] ضلع فلانا - كمنع -: ضرب فى ضلعه، و المراد ما يشكل عليك.