نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ١٠٢ - ٥٣ - و من كتاب له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعى، لما ولاه على مصر و اعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر، و هو أطول عهد و أجمع كتبه للمحاسن
و شعب من العرف، ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما، و لا يتفاقمنّ فى نفسك شىء قوّيتهم به [١] و لا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به [٢] و إن قلّ، فإنّه داعية لهم إلى بذل النّصيحة لك، و حسن الظّنّ بك. و لا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها، فإنّ لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، و للجسيم موقعا لا يستغنون عنه.
و ليكن آثر رؤوس جندك عندك [٣] من واساهم فى معونته، و أفضل عليهم من جدته، بما يسعهم و يسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتّى يكون همّهم همّا واحدا فى جهاد العدوّ، فانّ عطفك عليهم [٤] يعطف قلوبهم عليك، و إنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل فى البلاد، و ظهور مودّة
[١] تفاقم الأمر: عظم، أى: لا تعد شيئا قويتهم به غاية فى العظم زائدا عما يستحقون، فكل شىء قويتهم به واجب عليك إتيانه، و هم مستحقون لنيله.
[٢] أى: لا تعد شيئا من تلطفك معهم حقيرا فتتركه لحقارته، بل كل تلطف - و إن قل - فله موقع من قلوبهم
[٣] «آثر» أى: أفضل و أعلى منزلة، فليكن أفضل رؤساء الجند من واسى الجند - أى: ساعدهم - بمعونته لهم، و أفضل عليهم - أى: أفاض - و جاد من جدته، و الجدة - بكسر ففتح -: الغنى، و المراد ما بيده من أرزاق الجند، و ما سلم إليه من وظائف المجاهدين، لا يفتر عليهم فى الفرض، و لا ينقصهم شيئا مما فرض لهم، بل يجعل العطاء شاملا لمن تركوهم فى الديار من خلوف الأهلين: جمع خلف - بفتح فسكون - و هو من يبقى فى الحى من النساء و العجزة بعد سفر الرجال
[٤] «عليهم» أى: على الرؤساء