فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٩ - العدالة ـ مفهومها وحقيقتها وطرق إثباتها الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
الجهة الثالثة : هل تعتبر المروءة في العدالة ؟
المروءة المبحوث عنها هنا هي استقامة السلوك عرفاً كما كانت العدالة ـ بحسب تعريفنا السابق ـ استقامة السلوك شرعاً ، فكلّ عمل يعدّ خروجاً على الاُصول والمبادىء العرفيّة يعتبر منافياً للمروءة .
ثمّ إنّ النسبة بين الاستقامة العرفيّة والاستقامة الشرعيّة المحضة نسبة العموم والخصوص من وجه ، فقد يكون العمل حراماً شرعاً ولكنّه مقبول عرفاً ، وقد يكون العمل مرفوضاً لدى العرف لكنّه مباح شرعاً ـ وذلك غير نادر في المجتمعات غير المتأدبة كاملاً بالتعاليم والآداب الشرعيّة ـ وقد يكون العمل مرفوضاً عرفاً وحراماً شرعاً .
والذي نبحث عن اعتباره في العدالة وعدمه ، هو المروءة في حدّها الزائد على الاستقامة الشرعيّة المحضة ، وبعبارة اُخرى : هل إنّ العدالة المترتّب عليها الآثار الشرعيّة هي العدالة بمعنى الاستقامة الشرعيّة محضاً ، أو هي بمعنى الاستقامة شرعاً وعرفاً ؟
لو كنّا نحن والأدلّة التي اشترط الشارع فيها عنوان العدالة أو الوثوق بالديّن في ترتّب الأثر الشرعي كقبول الشهادة أو الامامة ، فلا شك أنّ الظّاهر عدم اعتبار المروءة في ذلك ؛ لظهور العدالة فضلاً عن الوثوق بالديّن في إرادة الاستقامة الشرعيّة ، فإنّ الاستقامة لدى الشارع بما هو شارع إنّما هي الاستقامة بحسب أحكامه وقوانينه الصادرة عنه ، وهذا هو الحال في كلّ حاكم وجاعل ، فإنّ العدل في العبارات التشريعية الصادرة من أيّ حاكم هو الاستقامة بحسب دساتيره وقراراته التي يقرّر بحسبها العدل .
لكنّ المدّعى وجود أدلّة خاصّة تدلّ على اعتبار المروءة في العدالة المقصودة شرعاً ، فلابدّ من البحث عنها وعن مدى دلالتها على ذلك .