فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٥٢ - دراسة مقارنة بين نظريتي الحسبة ومنطقة الفراغ الاُستاذ السيد كمال الحيدري
الماء .
إذن ، عندما دخلت بعض الشرائط الاستثنائية غيرّت الحكم الأوّلي ، فجعلت المباح واجباً ، وقد تجعله محرّماً .
والحاصل : أنّ الحكم الواقعي الأوّلي يراد به الحكم المجعول للشيء أوّلاً وبالذات أي بلا لحاظ ما يطرأ عليه من العوارض الاُخرى ، كأكثر الأحكام الواقعية تكليفية ووضعية ، هذه كلّها أحكامها الأوّلية : الوجوب ، والحرمة .
فالصلاة حكمها الأوّلي أن يؤتى بها بواسطة طهارة مائية ، ولكن إن لم تتيسّر الطهارة المائية فستنتقل إلى التراب ، والخنزير حكمه الأوّلي أنّه لا يجوز أكله ، ولكن إذا توقّف عليه إنقاذ حياة إنسان فإنّه ليس فقط يجوز له أن يأكل منه ، بل يجب عليه أن يأكل .
أمّا الحكم الثانوي : فهو الحكم الذي يجعل للشيء بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصّة تقتضي تغيير حكمه الأوّلي . فالموضوع هو الموضوع ، ولكنّ حكمه يتغيّر ضمن هذه الشرائط . فشرب الماء مثلاً مباح بعنوانه الأوّلي ، ولكنه بعنوان إنقاذ الحياة يكون واجباً .
وما أكثر الأحكام الأوّلية التي يتبدّل واقعها لطروء عناوين ثانوية عليها . فالواجب يتحوّل إلى حرام ، والحرام إلى مباح ... وهكذا .
وأصحاب نظرية الحسبة يرون بأنّ تصرّفات المتصدّي إنّما تكون نافذة إذا كان مقتضى الأدلّة الأوّلية جواز ذلك العمل ، ويضربون أمثلة على ذلك من قبيل تهيئة مراكز الثقافة لنشر العلوم ، وبسط الرفاه الاجتماعي ، وهكذا كلّ عمل وتصرّف من هذا القبيل .
أمّا إذا كان مقتضى الأدلّة الأوّلية عدم جواز التصرّف فإنّ الفقيه لو تصدّى لأمر ، وكان مقتضى الأدلّة الأوّلية عدم جوازه ، فإنّ رأيه لا يكون نافذاً ، كما في