فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٧ - العدالة ـ مفهومها وحقيقتها وطرق إثباتها الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
الدليل الشرعي على أنّ الصغيرة لا تضرّ بالعدالة كان ذلك دليلاً على أنّ الاستقامة في الشرع تدور مدار ترك الكبائر فحسب ، وقد دلّت الصحيحة على عدم إضرار الصغيرة بالعدالة ، فتكون دالّة على أنّ الاستقامة شرعاً هي ملكة اجتناب الكبائر أو بعبارة اُخرى : هي ملكة الانقياد النفسي بالدرجة التي يترك معها الكبيرة .
ثمّ إنّ الصغيرة إنّما لا يضرّ ارتكابها بالعدالة مع عدم الإصرار ، أمّا مع الاصرار فإنّها تعدّ من الكبائر حكماً شرعاً ، كما ورد في روايات كثيرة ، منها روايات صحيحة السند كالذي رواه الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن الكاظم (عليه السلام) في حديث ... انّ النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) قال : « لا كبير مع الاستغفار ، ولا صغير مع الإصرار » (١٥) (١٦).
ومعنى الإصرار كما يتبادر منه ويدلّ عليه الروايات عدم الندم على الفعل ، فإذا ندم على المعصية فهو غير مصرّ ، ولا يعرف النّدم إلا بظهور آثار الندم عليه ، ومن الواضح أنّ تكرار الفعل كثيراً ينافي ذلك ، كما ينافيه العزم على العود .
فالحاصل : إنّ حقيقة الإصرار هي عدم الندم على الذنب ، كما دلّت عليه صحيحة ابن أبي عمير قال : سمعت موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول : « من اجتنب الكبائر لم يسأل عن الصغائر ، قال الله تعالى : {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} قال : قلت : فالشفاعة لمن تجب ؟ فقال : حدثني أبي عن آبائه ، عن علي (عليه السلام) ، قال : قال رسول الله(صلى الله عليه و آله و سلم) : إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي ، فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل ، قال ابن أبي عمير : فقلت له : يابن رسول الله فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى يقول : {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى} ومن يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى ؟
(١٥) وسائل الشيعة ١٥ : ٣٣٦ ، ب ٤٧ من جهاد النفس ، ح ١١ .
(١٦) رجال السندً ثقات جميعاً ، فإنّ احمد بن زياد وثقه الصدوق في إكمال الدين في آخر ذكر هشام بن الحكم وعلي بن ابراهيم معلوم وأبوه ثقة بتوثيق ولده في مقدمة التفسير ، ومحمد بن أبي عمير أشهر من أن يذكر .