فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٦ - العدالة ـ مفهومها وحقيقتها وطرق إثباتها الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
مقتضى الظاهر من صحيحة ابن أبي يعفور التي تضمّنت تعريف العدالة عدم اشتراطها بترك الصغائر ، فتكون العدالة على هذا ملكة الانقياد النفسي والفعلي بالدرجة التي يُؤمن معها من ارتكاب المعاصي الكبيرة ، فقد ورد في الصحيحة عن الصادق (عليه السلام) في جوابه عن سؤال السائل : بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم ؟ أنّه (عليه السلام) قال : « أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان ، ويعرف باجتناب الكبائر التي أوعد الله عليها النّار من شرب الخمر والزنا والربا وعقوق الوالدين والفرار من الزحف وغير ذلك ... الحديث » (١٢).
وبما أنّ الامام (عليه السلام) في مقام تحديد معنى العدالة وبيان حقيقتها فاكتفاؤه بذكر اجتناب الكبائر دليل على عدم تقيّد حقيقة العدالة بترك الصغائر وعدم إضرار الصغيرة بالعدالة .
وأمّا الآيات الكريمة التي قد يستدلّ بها لاثبات عدم اشتراط العدالة بترك الصغيرة نظير قوله تعالى : {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (١٣)وقوله تعالى : {وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ} (١٤)فلا ظهور فيها في عدم اشتراط العدالة بترك الصغائر ؛ فإنّ هذه الآيات بصدد نفي الآثار الاُخروية المترتّبة على المعصية الصغيرة ، واعتبارها كالعدم بلحاظ آثارها الاُخروية ، فلا دلالة فيها على إلغاء الصغيرة حكماً أو موضوعاً بلحاظ الآثار الدينويّة المترتّبة على ارتكاب المعصية الصغيرة ليقال بعدم ترتّب الأثر على ارتكاب الصغيرة شرعاً ، فلا ينافي ارتكابها حقيقة العدالة شرعاً .
ثمّ إنّ عدم منافاة ارتكاب الصغيرة للعدالة شرعاً ليس معناه أنّ هناك حقيقة شرعية لمعنى العدالة مختلفة عن معناها اللغوي ، بل إنّ معناها اللغوي هو الاستقامة كما أشرنا سابقاً ، ولكن الاستقامة في كلّ شيء بحسبه ، فإذا دلّ
(١٢) وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٩١ ، ب ٤١ من الشهادات ، ح ١ .
(١٣) النساء : ٣١ .
(١٤) النجم : ٣٢ .