فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٣ - دراسة فقهية حول الهدنة الشيخ مرتضی الترابي
هذا ، ولكن الإنصاف هو أنّ آيات الجهاد بلحاظ كثرتها وقوة دلالتها والتأكيدات الخاصة الواردة فيها بمرتبة لايمكن رفع اليد عنها ، بالأدلّة الدالّة علي الصلح . فليست إحدى الطائفتين في عرض الاُخرى ومستواها حتي تقدّم أدلّة الصلح وتحمل أدلّة الجهاد علي الجواز والاستحباب . بل تقدّم أدلّة الجهاد وتحمل أدلّة الصلح بقرينة قوله تعالي : {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ... } (٢٣)علي صورة ضعف المسلمين دون قوتهم کما ذکره الفقهاء . خصوصاً إن هناك آيات تدلّ علي لزوم استمرار الجهاد حتي الوصول إلي الحاكمية المطلقة للإسلام علي الكفار ، نظير : قوله تعالي : {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } (٢٤)، وقوله : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ... } (٢٥)
، فعلي هذا يكون الجهاد كالمحور الأصلي لنشر دين الإسلام فرضاً علي الاُمة والإمام . فالأصل هو الجهاد إلا أن يتزاحم معه أمر آخر يكون مصلحته أهم منه .
نعم ، قد ذهب العلامة الحلّي إلي التخيير بين الجهاد والهدنة في جميع صور مشروعية الهدنة ، وذهب البعض كصاحب الرياض وصاحب الجواهر (رحمهما الله) وغيرهما (٢٦)إلي التخيير بينهما في صورة عدم وجود مصلحة ملزمة في الهدنة . لکن هذا ليس معناه ثبوت التخيير بين القتال والهدنة بصورة کلّية في نظرهم ، بل التخيير مختص في نظرهم بموارد مشروعية الهدنة في نفسها ، کما سنبيّنها في المباحث اللاحقة إن شاء الله تعالي .
تأكيد الإسلام علي الوفاء بالعقد :
إنّ من خصوصيات الإسلام المنبثقة من كونه ديناً أبدياً عالمياً أنّ الشرع المقدّس في الإسلام لم يهمل بيان الأحكام القابلة للتطبيق في الظروف المختلفة
(٢٣) محمد : ٣٥ .
(٢٤) التوبة : ٢٩ .
(٢٥) الأنفال : ٣٩ .
(٢٦) راجع : جواهر الكلام ( الشيخ محمد حسن النجفي ) ٢١ : ٢٩٦ .