فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٢ - العدالة ـ مفهومها وحقيقتها وطرق إثباتها الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
ثمّ إنّ الشارع اتبع أساليب عدّة للدلالة على أهمية المعصية عنده وتأكيده على حرمتها ، أهمها وأوضحها لدى عامة الناس هو التصريح بالتوعيد عليها بالنار ، وهذا هو السرّ في ورود بعض الروايات المؤكّدة على أنّ الكبائر : ما توعّد الله عليها بالنار ، فإنّ هذه الطائفة من الروايات ليست بصدد تعريف الكبائر تعريفاً نظرياً منطقياً ، بل هي بصدد تعريفها تعريفاً اُصوليا عملياً ، أي إنّها بصدد بيان الأمارة المعرّفة للكبيرة ، وإعطاء مقياس عملي سهل التناول لتشخيص الكبيرة عن الصغيرة تسهيلاً على المكلّف وهو الوعيد بالنار .
وحينئذٍ فلا تنحصر الكبيرة بما جاء عليه الوعيد القرآني بالنار ، بل يشمل كلّ معصية دلّ الشارع بطريقة من الطرق على أهميتها عنده وعظمتها لديه ، فإنّ الوعيد بالنار أمارة ليس إلا ، فلو وجدت أمارات اُخرى دالّة على أهمية المعصية المعيّنة لدى الشارع ، كان حكمها حكم الوعيد بالنار في الدلالة على كون المعصية كبيرة لدى الشارع ، وذلك كتكرار النهي عنها كثيراً في القرآن الكريم ، وعلى لسان النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) والأئمة المعصومين(عليهم السلام) ، وكورود اللعن على فاعلها في لسان القرآن الحكيم وسنّة المعصومين(عليهم السلام) ، وغير ذلك من أساليب التأكيد والتشديد .
والحاصل : أنّ الملاك في الكبيرة أنّها المعصية التي شدّد الشارع عليها ، بخلاف الصغيرة .
وقد ذكرت الروايات طريقاً عرفياً سهل التناول لمعرفة التشديد الشرعي وهو الوعيد بالنّار ، فليس الوعيد بالنار حدّاً للكبيرة كما قد يتوهم ، فالروايات التي تعرّضت لذكر الوعيد بالنار في الجواب على السؤال عن الكبائر ، إنّما ذكرت الطريق العرفي الى معرفة الكبائر ؛ لأنّ السائل الّذي يسأل لأجل العمل إنّما يهمّه الطريق الى معرفة الكبيرة ، أمّا حدّها فيبدو أنّه كان واضحاً في العرف المتشرّعي ، وهو ما ذكرناه من الشدّة ؛ لأنّه هو المناسب لمعناها اللغوي .