فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٥٣ - العدالة ـ مفهومها وحقيقتها وطرق إثباتها الاستاذ الشيخ محسن الاراكي
وعلى هذا فلو عرفت شدّة المعصية عن طريق آخر كتكرار ذكرها في الكتاب والتاكيد على النهي عنها أو لعن مرتكبها أو أيّ طريق آخر فهي كبيرة وإن لم يرد عليها التوعدّ بالنار .
وأمّا ما ورد في الروايات التي تعرّضت لذكر الكبائر من الاختلاف في الكبائر كمّاً ونوعاً فذلك لأنّها لم تكن بصدد الحصر ، بل بصدد ذكر النماذج المعروفة أو الكثيرة الابتلاء أوالأهم من الكبائر .
ويشهد لما ذكرناه ـ من كون الوعيد بالنّار أمارة معرّفة لا مقياساً للكبيرة وأنّ المقياس أهميّة المعصية لدى الشارع وإن عرفت بغير الوعيد بالنّار من الأمارات ـ ما رواه في الكافي عن عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني ، قال : حدّثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام) ، قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبي موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول : دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله (عليه السلام) فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية : {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} ثم أمسك ، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) : « ما أسكتك ؟ » قال : اُحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّوجل ، فقال : « نعم يا عمرو ، أكبر الكبائر الاشراك بالله ، يقول الله {مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} وبعده الأياس من روح الله ؛ لأنّ الله عزّوجلّ يقول : {لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ} ثم الأمن من مكر الله ؛ لأنّ الله عزّوجلّ يقول : {ولا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} ومنها عقوق الوالدين لأنّ الله سبحانه جعل العاق جباراً شقيّاً ، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق ؛ لأنّ الله عزّوجلّ يقول : {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} إلى آخر الآية ، وقذف المحصنة ؛ لأنّ الله عزّوجلّ يقول : {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وأكل مال اليتيم ؛ لأنّ الله عزّوجلّ يقول : {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} والفرار من الزحف ؛ لأنّ الله عزّوجلّ يقول : {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ }