فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠ - طرق ثبوت الاجتهاد والأعلمية آية الله السيد كاظم الحسيني الحائري
يرد احتمال اختصاص حجية شهادة العدلين بباب القضاء ، وإنّما هي بمعنى ما يثبت وما يبيّن ؛ لأنّ اصطلاح البيّنة بمعنى شهادة عدلين اصطلاح متأخّر ، لا يحمل عليه ما في الكتاب والسنّة ، وإنّما هي مستعملة في الكتاب والسنّة بمعناها اللغوي ، كقوله تعالى : {إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } (٢٢)، وقوله تعالى : {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } (٢٣).
إذن ، فقوله(صلى الله عليه و آله و سلم) : «إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان» يعني القضاء بالدليل ، أي : إنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بيّن أنّ قضاءه ليس قضاءاً بالواقع ، بل قضاءاً بالحجة وباليمين ، وبما أنّه ثبت خارجاً أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) طبّق البيّنة في قضائه على شهادة عدلين ، فهذا دليل على أنّ شهادة العدلين في ذاتها حجة ، ولا اختصاص لحجيتها بخصوص باب القضاء(٢٤).
مناقشة الشهيد الصدر :
وأورد على ذلك اُستاذنا الشهيد (رحمه الله) :
أولاً :بأنّ هذا المقدار من البيان لايثبت إطلاق حجية البيّنة لسائر الموضوعات بمقدّمات الحكمة ؛ لأنّ الرواية وإن دلّت عندئذٍ على حجية البيّنة في الجملة ، ولكن بما أنّها لم تكن بصدد بيان حجية البيّنة مباشرة ، بل فرضت حجية البيّنة أمراً مفروغاً عنها وأخذتها في موضوع القضاء ، إذن فلا تجري مقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق .
وثانياً :أنّه لو ثبت أنّ الرواية بصدد جعل حكم القضاء والحجية القضائية وقد أخذت في موضوع هذه الحجية حجية شهادة العدلين ـ لأنّ البيّنة بمعنى الحجية ، وهي مطبقّة يقيناً في عمل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) على شهادة العدلين ـ لأمكن أن يقال : إنّ حجية البيّنة إذن ثابتة في الرتبة السابقة على الحجية القضائية ، فهي حجة مطلقاً ، لا في خصوص باب القضاء ، ولكن هذا غير ثابت ؛ إذ من المحتمل أنّ الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) إنّما هو بصدد الإخبار بأنّه لا يقضي بالواقعيات ، وإنّما يقضي
(٢٢) الأنعام : ٥٧ .
(٢٣) النحل : ٤٤ .
(٢٤) راجع : التنقيح ٣ : ١٦٦ . وج ١ : ٢١٠ ـ ٢١١ .