البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٤ - كتاب بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ملوك الآفاق و كتبه اليهم يدعوهم الى اللَّه عز و جل و إلى الدخول في دين الإسلام
و لهم تكون العاقبة، و سألتك هل يغدر فزعمت أنه لا يغدر فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين و لوددت أنى عنده فأغسل عن قدميه، ثم قال الحق بشأنك قال فقمت و أنا أضرب إحدى يدي على الأخرى و أقول: يا عباد اللَّه لقد أمر [أمر ابن أبى كبشة، و أصبح ملوك بنى الأصفر يخافونه في سلطانهم.
قال ابن إسحاق: و حدثني] [١] الزهري قال حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال: قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه الى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين، فان أبيت فان إثم الا كاريين عليك. قال فلما انتهى اليه كتابه و قرأه أخذه فجعله بين فخذه و خاصرته ثم كتب الى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكتب اليه إنه النبي الّذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه، فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم امر بها فاشرحت [٢] عليهم و اطلع عليهم من علية له و هو منهم خائف فقال: يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب احمد و إنه و اللَّه النبي الّذي كنا ننتظر و مجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته و زمانه فأسلموا و اتبعوه تسلم لكم دنياكم و آخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد و ابتدروا أبواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم، فخافهم و قال ردوهم على فردوهم عليه فقال لهم يا معشر الروم إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم؟ فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا. و قد روى البخاري قصة أبى سفيان مع هرقل بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها و حروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين و ما فيهما من الفوائد. قال البخاري قبل الايمان من صحيحه حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا شعيب عن الزهري أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود أن عبد اللَّه بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل اليه في ركب من قريش و كانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ماد فيها أبا سفيان و كفار قريش، فأتوه و هم بايلياء فدعاهم في مجلسه و حوله عظماء الروم ثم دعاهم و دعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الّذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا، قال أدنوه منى و قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فان كذبني فكذبوه، فو اللَّه لو لا أن يؤثروا عنى كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت لا قال فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت لا قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟
قلت بل ضعفاؤهم قال أ يزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه
[١] ما بين المربعين سقط من نسخة حلب.
[٢] كذا بالأصل و لعلها: فأسرجت عليهم.