نهج البلاغة - ط مطبعة الإستقامة - عبده، محمد - الصفحة ٤٧ - ٣١ - و من وصيّة له عليه السّلام للحسن بن على عليهما السلام، كتبها إليه بحاضرين منصرفا من صفين ٥
ذلك و أنت مقبل العمر، و مقتبل الدّهر، ذو نيّة سليمة و نفس صافية، و أن أبتدئك بتعليم كتاب اللّه و تأويله، و شرائع الاسلام و أحكامه، و حلاله و حرامه، [و] لا أجاوز لك إلى غيره [١]، ثمّ أشفقت [٢] أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم و آرائهم مثل الّذى التبس عليهم [٣]، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إلىّ من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة [٤]، و رجوت أن يوفّقك اللّه لرشدك، و أن يهديك لقصدك، فعهدت إليك وصيّتى هذه.
و اعلم، يا بنىّ، أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إلىّ من وصيّتى، تقوى اللّه و الإقتصار على ما فرضه اللّه عليك، و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك و الصّالحون من أهل بيتك، فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظر [٥]، و فكّروا كما أنت مفكّر، ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا
[١] لا أتعدى بك كتاب اللّه إلى غيره، بل أقف بك عنده
[٢] «أشفقت» أى: خشيت و خفت
[٣] «مثل»: صفة لمفعول مطلق محذوف، أى: التباسا مثل الذى كان لهم.
[٤] أى: إنك و إن كنت تكره أن ينبهك أحد لما ذكرت لك فانى أعد إتقان التنبيه على كراهتك له أحب إلى من إسلامك - أى: إلقائك - إلى أمر تخشى عليك به الهلكة.
[٥] لم يتركوا النظر لأنفسهم فى أول أمرهم بعين لا ترى نقصا و لا تحذر خطرا ثم ردتهم آلام التجربة إلى الأخذ بما عرفوا حسن عاقبته و إمساك أنفسهم عن عمل لم يكلفهم اللّه إتيانه