معتصم الشيعة في أحكام الشريعة - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٣٤ - مسألة طهارة الماء في نفسه و مطهّريّته لغيره
ما، لا كلّ نجاسة، و هو أخصّ من المدّعى، و يجوز أن يكون المراد: لم يغيّره شيء حتّى ينجس؛ يعنى لم يظهر فيه النجاسة، فيكون ذلك تحديداً للقدر الذي يتغيّر في الأغلب بالنجاسات المعتادة و ذلك لأنّ الناس كانوا قد يستنجون في المياه القليلة في الغدران و يغمسون الأواني النجسة فيها، ثمّ يتردّدون في أنّها تغيّرت تغيّراً مؤثّراً أم لا، فبيّن أنّه إذا بلغ هذا الحدّ لم يتغيّر بهذه النجاسات.
فإن قلت: قد يتغيّر الكرّ أيضاً بالنجاسة، فكيف يصحّ قوله: «لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» بهذا المعنى؟ قلنا: هذا منقلب عليك؛ فإنّ الكرّ إذا تغيّر نجس إجماعاً، فلا يصحّ سلب النجاسة عنه بالمعنى الذي فهمته أيضاً، فلا بدّ من التخصيص بالنجاسات المعتادة الغير المغيّرة المغلوبة على كلّ حال.
و ثالثاً بما نجيب به عن الأخيرين- جمعاً بين الأخبار- من أنّ الحكم بتنجيس ما دون الكرّ بالملاقاة تنزيهيّ، و النجاسة المحكوم بها عليه إنّما معناها كراهة استعماله و استحباب التجنّب عنه، من غير ضرورة إليه حيثما يوجد ماء آخر لم يلاق النجاسة- على ما قد نطق به بعض الأحاديث الصريحة في ذلك كما مرّ-، لا النجاسة الحقيقيّة المانعة من التطهّر به مطلقاً في حالتي السعة و الاضطرار.
و ممّا يؤيّد هذا، اختلاف الأخبار الواردة في تقدير الكرّ كما سيجيء، و لو كان الاجتناب واجباً لما اختلفت، لأنّ الوجوب لا يقبل التشكيك بخلاف الاستحباب. و قد اعترف جماعة من المتأخّرين بمثل ذلك في ماء البئر كما ستقف عليه إن شاء اللّه.
[و يحتمل أن يكون المراد بالأخبار الدالّة على نجاسة ما دون الكرّ بمجرّد الملاقاة، المنع من استعماله في رفع الحدث و الشرب خاصّة في حالة الاختيار تنزيهاً، و ذلك لأنّ المستفاد من كثير من الروايات اعتبار مزيد اختصاص للماء في استعماله في أحد الأمرين و لا سيّما رفع الحدث. و