تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٣٦ - أصص أصص
زَكَرِيّا عِنْدَ قَوْلِ الجَوْهَرِيِّ تَؤُصُّ ، بالضَّمِّ: الصَّوابُ تَئِصُّ ، بالكَسْرِ؛ لِأَنَّه فِعْلٌ لازِمٌ، و قَالَ أَبْو سَهْلٍ النَّحْوِيُّ: الَّذِي قَرَأْتُه عَلَى أَبِي أُسَامَةَ في الغَرِيبِ المُصَنِّفِ: أَصَّت تَئِصُّ ، بالكَسْرِ، و هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لازِمٌ. قُلْتُ: و قَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الصّاغَانِيُّ، و قَلَّدَه المُصَنِّفُ-إِذا اشْتَدَّ لَحْمُهَا و تَلاحَكَتْ أَلْوَاحُهَا. قالَ شَيْخُنَا: لَمْ يَذْكُرْه غَيْرُ المُصَنِّفِ، فهو إِمّا أَنْ يُسْتَدْرَكَ به على الشَّيْخِ ابن مالكٍ في الأَفْعَالِ الَّتِي أَوْرَدَهَا بالوَجْهَيْنِ، أَوْ يُتَعَقَّب المُصَنِّفُ بِكَلامِ ابنِ مالكٍ و أَكْثَرِ الصَّرْفِيِّينَ و اللُّغَوِيِّين حَتِّى يُعْرَف مُسْتَنَدَهُ. انتهى.
قُلْتُ: الصَّوابُ أَنَّه يُسْتَدْرَكُ به على ابنِ مالكٍ و يُتَعَقَّب [١] ، فإِنّ الضّمَّ نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ عن أَبِي عُبَيْد عَنْ أَبِي عَمْرٍو، و الكَسْرَ نَقَلَه الصّاغَانِيُّ عن أَبِي عَمْرٍو أَيْضاً، و صَوَّبَه أَبُو زَكَريّا و أَبُو سَهْلٍ، فَهُمَا روايَتَان، و هََذا هُوَ المُسْتَنَدُ، فتأَمّلْ.
و قِيلَ: أَصَّتِ النّاقَةُ، إِذا غَزُرَتْ، قِيلَ: و مِنْهُ صبه أَصْبَهَانُ للبَلَدِ المَعْرُوفِ بالعَجَمُ أَصْلُه: أَصَّتْ بَهَانُ ، قالُوا: بَهَان كقَطَام: اسْمُ امرأَةٍ، مبنِيٌّ أَو مُعْرَبٌ إِعْرَابَ ما لا يَنْصَرِفُ، أَي سَمِنَتْ المَلِيحَةُ، سُمِّيَتْ المَدِينَةُ بذََلِكَ لحُسْنِ هَوائِهَا و عُذُوبَةِ مائها، و كَثْرَةِ فَواكِهِهَا، فخُفِّفَتْ اللَّفْظَةُ بحَذْفِ إِحْدى الصّادَيْنِ و التّاء، و بَيْنَ سَمِنَتْ و سُمِّيَتْ جِناسٌ، و أَمّا ما ذَكَرَه مِنْ صِحَّةِ هَوَائِهَا إِلَى آخِرِهِ، فقَالَ مِسْعَرُ بنُ مُهَلْهِلِ: صبه أَصْبَهَانُ صَحِيحَةُ الهَوَاءِ، نَقِيَّةُ [٢] الجَوّ خالِيَةٌ مِنْ جَمِيعِ الهَوَامِّ، لا تَبْلَى المَوْتَى في تُرْبَتِهَا، و لا تَتَغَيّر فِيهَا رَائِحَةُ الَّلحْمِ و لَوْ بَقِيتِ القِدْرُ بعدَ أَنْ تُطْبَخَ شَهْراً، و رُبَّمَا حَفَرَ الإِنْسَانُ بها حَفِيرَةً فيَهْجِم على قَبْرٍ لَهُ أُلُوفُ سِنَينَ و المَيِّتُ فيها عَلَى حالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، و تُرْبَتُهَا أَصَحُّ تُرَبِ الأَرْضِ، و يَبْقَى التُّفّاحُ بِهَا غَضّاً سَبْعَ سِنَينَ، و لا تُسَوِّسُ بِهَا الحِنْطَةُ كَمَا تُسَوّسُ بِغَيْرِها، قالَ ياقُوت: و هِيَ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ من أَعْلامِ المُدُنِ، و يُسْرِفُون في وَصْفِ عِظَمِهَا حَتَّى يَتَجَاوَزُوا حَدَّ الاقْتِصَادِ إِلَى غَايَةِ الإِسْرَافِ، و هُوَ اسْمٌ للإِقْلِيمِ بأَسْرِه. قال الهَيْثَمُ بن عَدِيٍّ: و هي سِتَّةَ عَشَرَ رُسْتَاقاً، كُلُّ رُسْتَاقٍ ثَلاثُمِائَةٍ و سِتُّونَ قَرْيَةً قَدِيمةً سِوَى المُحْدِثَةِ، و نَهْرُها المَعْرُوفُ بِزَنْدَ رُوذ [٣] في غايَةِ الطِّيبِو الصِّحَّةِ و العُذُوبَةِ، و قَدْ وصَفَتْهُ الشُّعَرَاءُ، فَقَال بَعْضُهُم:
لَسْتُ آسَى مِنْ صبه أَصْبَهَانَ عَلَى شَيْ # ءٍ سِوَى مَائِهَا الرَّحِيقِ الزُّلاَلِ
و نَسِيمِ الصَّبَا و مُنْخَرقِ الرِّيـ # حِ و جَوٍّ صافٍ على كُلِّ حالِ
و لَهَا الزَّعْفَرَانُ و العَسَلُ الما # ذِيُّ و الصّافِنَاتُ تَحْتَ الجِلالِ
و لذََلكَ ١٧- قال الحَجّاجُ لبَعْضِ مَنْ وَلاّهُ صبه أَصْبَهَان : قد وَلَّيْتُكَ بَلْدَةً حَجَرُهَا الكُحْلُ، و ذُبَابُهَا النَّحْلُ، و حَشيشُهَا الزَّعْفَرَانُ.
قالُوا: و من كَيْمُوسِ هَوَائِهَا و خاصّيَّتِه أَنّهُ يُبَخِّلُ، فَلا تَرَى بهَا كَرِيماً، و ١٦- في بَعْضِ الأَخْبَارِ أَنّ الدّجّالَ يَخْرُجُ من صبه أَصْبَهَانَ .
و الصَّوَابُ أَنّهَا كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ ، و هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الجَمَاهِيرُ، و صَوَّبَه شَيْخُنَا، قالَ: فحِينَئذٍ حَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ في باب النُّونِ و فَصْل الهَمْزَةِ لأَنّها صارَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً عَلَماً عَلَى مَوْضعٍ مُعَيِّنٍ، حُرُوفُهَا كُلُّهَا أَصْلِيَّة [٤] ، و لا يُنْظَرُ إِلَى ما كانَتْ مُفْرَدَاتُهَا، و قَدْ تُكْسَرُ هَمْزَتُهَا ، قالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: هََكَذَا قَيَّدَه البَكْرِيُّ في كِتَابِه المُعْجَم.
قلتُ: و تَبعَه ابنُ السَّمْعانِيّ، قال ياقُوت: و الفَتْحُ أَصَحُّ.
و أَكْثَرُ [٥] ، و قد تُبْدَلُ باؤُهَا فاءً فيُقَالُ: صبه أَصْفَهَانُ فِيهِمَا ، أَيْ في الكَسْرِ و الفَتْحِ.
قُلْتُ: و قد تُحْذَفُ الأَلِفُ أَيْضاً، فيَقُولُون: صبه صَفَاهان ، كما هو جَارٍ الآنَ عَلَى أَلْسِنَتِهم، قال شيخُنَا: إِنْ أُرِيدَ من الأَجْنَاد الفُرْسَانَ، كَمَا مالَ إِلَيْه السُّهَيْليُّ و حَرّرهُ فَهُوَ ظاهرٌ، و باؤُه حينَئذٍ خالصةٌ، و إِلاّ فَفِيه نَظَرٌ.
قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ في ذِكْرِ ١٧- حَدِيثِ سَلْمَانَ، رَضِيَ اللََّهُ تَعَالَى عنه : «كُنْتُ مِنْ أَهْلِ صبه أَصْبَهَان » . ما نَصُّه: و أَصْبَه بالعَرَبِيّة فَرَسٌ، و قِيلَ: هو العَسْكَرُ، فمَعْنَى الكَلِمَةِ: مَوْضِعُ العَسْكَرِ، أَو الخَيْل أَو نَحْو هََذا. انْتَهَى، فَلَيْسَ فيه مَا يَدُلُّ على أَنّه أَرادَ من الأَجْنَادِ الفُرْسَانَ، و لا مَيْلَه إِلَيْه، فتَأَمَّلْ. ثُمَّ قَولُ السُّهَيْلِيّ: مَوْضِعُ العَسْكَرِ أَو الخَيْل يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلَى المَوْضِعِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بحَذْفِ مُضَافٍ، ثم قَالَ شَيْخُنَا:
[١] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: و يتعقب، و لعل الصواب: و لا يتعقب، أي المصنف.
[٢] في معجم البلدان: «أصبهان» : نفيسة الجو.
[٣] عن معجم البلدان و بالأصل «زند رود» .
[٤] قال ياقوت: و لهم في تسميتها بهذا الاسم (أصبهان) خلاف انظر مختلف الأقوال في معجم البلدان.
[٥] عبارة معجم البلدان: منهم من يفتح الهمزة، و هم الأكثر.