تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٣٧ - أصص أصص
و في كَلام ابن أَبي شَرِيفٍ و جَمَاعَةٍ أَنَّهَا تُقَالُ بَيْنَ الباءِ و الفَاءِ، و قالَ جَمَاعَةٌ: إِنَّهَا تُقَالُ بالبَاءِ الفَارِسيَّةِ، قال شَيْخُنَا:
قُلْتُ: و هُوَ المُرَادُ بأَنَّهَا بَيْنَ الباءِ و الفَاءِ. و تَعَقَّبُوه بنَاءً على مَا بَنَوْا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ المُرَادَ الفُرْسَانُ، و الأَسْبُ حينَئِذٍ هُوَ الخَيْلُ بالبَاءِ العَرَبيَّةِ، و لََكِنْ بالسِّينِ لا الصّادِ، ففِيهِ نَظَرٌ منْ هََذا الوَجْه، فَتَأَمَّلْ: انْتَهَى.
قُلْتُ: ما ذَكَرَه ابنُ أَبي شَرِيفٍ: و قال جَمَاعَةٌ مع ما قَبْلَهُ قولٌ واحِدٌ، كَمَا نَبَّه عَلَيْه شيخُنَا عَلَى الصَّوَابِ و أَمّا قَوْلُ شَيْخِنَا في التَّعَقُّبِ عَلَيْه: و الأَسْبُ حينَئذٍ، إِلخ، فَفِيه نَظَرٌ؛ لأَنَّ الأَسْبَ اسْمٌ بمَعْنَى الفَرَسِ، بالبَاءِ العَجَمِيَّة لا العَرَبِيّة، و تَعْبِيرُه بالخَيْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنّه اسْمُ جَمْعٍ، و لَيْسَ كَذََلِكَ، و في عِبَارَةِ السُّهَيْلِيّ: و أَصْبَه، بالعَرَبِيَّةِ: الفَرَسُ، كما تَقَدَّم، فظَهَرَ بذََلك أَنَّهُ يُقَال أَيْضاً بالصَادِ، و كَأَنَّهُ عنْدَ التَّعْرِيبِ، فتَأَمَّلْ.
و أَصْلُهَا إِسْبَاهانْ جَمْعُ إِسْباه، بالكَسْرِ [١] ، و هَان عَلامَةُ الجَمْعِ عِنْدَهُم: أَي الأَجْنَادُ، لأَنَّهُم كانُوا سُكّانَهَا ، و قال ابنُ دُرَيْدٍ: صبه أَصْبَهَان اسْمٌ مُرَكَّبٌ؛ لأَنّ الأَصْبَ البَلَدُ بلسَانِ الفُرْسِ، و هان اسمُ الفارِسِ، فكأَنَّهُ يقال [٢] بِلادُ الفُرْسانِ، و قَدْ رَدّ عَلَيْهِ ياقُوت، فقَالَ: الصَّوَابُ أَنَّ الأَصْبَ بلُغَةِ الفُرْسِ هو الفَرَسُ، و هان كَأَنَّهُ دَلِيلُ الجَمْعِ، فمَعْنَاهُ الفُرْسَانُ، و الأَصْبَهيُّ: الفَارِسُ.
قُلْتُ: و هََذا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْه ياقُوت، هُوَ ما يُعْطِيهِ حَقُّ الَّلفْظِ، و قَدْ أَصَابَ المَرْمَى و ما أَخْطَأَ، أَوْ لِأَنَّهُمْ كانُوا سُكّانَهَا، أَي الأَجْنَاد، فسُمِّيَتْ بهم، بحَذْفِ مُضَافٍ، أَي مَوْضِع الأَجْنَادِ، كَمَا تَقَدَّم في قَوْلِ السُّهَيْلِيِّ.
قُلْتُ: و المُرَادُ بتلْكَ الأَجْنَاد هيَ الَّتي خَرَجَتْ عَلَى الضَّحّاكِ و أَجَابَتْهُم النّاسُ حَتَّى أَزالُوا، و أَخْرَجُوا أَفْريدُونَ جَدَّ بَني سَاسَانِ مِنْ مَكْمَنِه، و جَعَلُوه مَلِكاً، و تَوَّجُوه، في قصَّةٍ طَويلَةٍ، ذَكَرَهَا أَرْبَابُ التَّوَارِيخِ، ذاتِ تَهَاوِيلَ و خُرَافَاتٍ، و لِذَا لَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ لوَاءَ مُلوكِ الفُرْس مِنْ آلِ سَاسَانَ إِلاَّ أَهْلُ أَصْبَهَانَ، أَشَارَ إِلَيْه ياقُوت.
١٦- أَوْ لِأَنَّهُم لَمّا دَعَاهُمْ نُمْرُوذُ إِلَى مُحَارَبَةِ مَنْ في السّمَاءِ ، في قصّةٍ ذَكَرَهَا أَهْلُ التَّوَارِيخِ، كَتَبُوا في جَوَابِه: إِسْبَاه آنْ نَه كِهْ با خُدا جَنْكْ كُنَد [٣] . أَيْ هََذا الجُنْد ليسَ مِمَّنْ يُحَارِبُ اللََّه ، فآنْ، مَمْدُوداً: اسْمُ الإِشَارَة، و نَهْ بالفَتْحِ: عَلاَمَةُ النّفْيِ، و كِهْ بالكَسْرِ: بمَعْنَى الَّذِي، و بَا خُدَا، أَي مَعَ اللََّه، و خُدَا بالضّمِّ اسمُ اللََّه، و أَصْلُه خُودَاي، و يَعْنُون بذََلِكَ وَاجِبَ الوُجُودِ، و جَنْك، بالفَتْح: الحْرْبُ، و كُنَد، بالضّمِّ و فتحِ النّون: تأْكيدٌ لِمَعْنَى الفِعْلِ، و يُعَبِّرُ بِهِ عن المُفْرَد، أَي لَيْسَ مِمّن، و لَوْ لاَ ذََلِكَ لَكَانَ حَقُّه كُنَنْد، بنُونَيْنِ، نظراً إِلَى لَفْظ أَسْباهان بمَعْنَى الأَجْنَادِ، فتَأَمَّلْ. ثُمَّ إِنَّ هََذا القَوْلَ الَّذِي ذَكَرَه المُصَنِّفُ نَقَلَه ابنُ حَمْزَةَ، و حَكَاه ياقُوت، و قَالَ:
قد لَهِجَتْ به العَوَامُّ، و نَصُّ ابنِ حَمْزَةَ: أَصْلُه أَسْبَاهْ آن، أَيْ هُمْ جُنْدُ اللََّه، قالَ يَاقُوت: و ما أُشَبِّهُ قَوْلَهُ هََذا إِلاَّ بِاشْتِقَاقِ عَبْدِ الأَعْلَى القاصّ حِينَ قِيلَ لَهُ: لِمَ سُمِّيَ العُصْفُور عُصْفُوراً؟قالَ: لِأَنَّهُ عَصَى و فَرّ، قِيلَ لَهُ: فالطَّفَيْشَلُ؟قالَ:
لأَنّه طَفَا و شَالَ.
أَوْ مِنْ أَصْب ، هََكذا في سائرِ النُّسَخِ، و قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّه بمَعْنَى الفَرَسِ، و بالسِّينِ أَكْثَرُ في كَلاَمِهِمْ، ثم قالَ شَيْخُنَا:
فعِنْدِي أَنَّه يُسَلَّمُ عَلَى ما نَقَلُوه، و يَجْعَلُ كُلّه لَفْظاً وَاحِداً، و يُذْكَرُ في البَابِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ حَرْفٍ منه، و اللََّه أَعْلَمُ، و مَا عَدَاه فكُلّه رَجْمٌ بالغَيْب، و وُقُوع في عَيْب. انْتَهَى.
و قَدْ ذَكَرَ حَمْزَةُ بنُ الحَسَنِ في اشْتِقَاقِ هََذه الكَلِمَةِ وَجْهاً حَسَناً، و هُوَ أَنّه اسْمٌ مُشْتَقٌّ من الجُنْدِيَّة، و ذََلِكَ أَنَّ لَفْظَ أَصْبَهَانَ إِذا رُدَّ إِلَى اسْمِه بالفَارِسِيّةِ كَان: أَسْبَاهان، و هِيَ جَمْعُ أَسْبَاه، و أَسْبَاه: اسْمٌ لِلْجُنْدِ و الكَلْبِ، و كَذََلِكَ سَك اسمٌ للجُنْدِ و الكَلْبِ، و إِنّمَا لَزِمَهُمَا هََذان الاِسْمَانِ و اشْتَرَكَا فِيهِمَا، لأَنّ أَفْعَالَهُمَا الحِرَاسَةُ، فالكَلْبُ يُسَمَّى في لُغَةٍ:
سَك، و في لُغَةٍ: أَسْبَاه، و يُخَفّف، فيُقَالُ: اسْبَهْ، فعَلَى هََذا جَمَعُوا هََذَيْن الاسْمَيْنِ، و سَمَّوْا بهما بَلَدَيْنِ كانَا مَعْدِنَ الجُنْدِ الأَسَاوِرَةِ، فقالُوا لأَصْبَهَانَ: أَسْبَاهَان، و لِسِجِسْتَانَ سِكَان، و سِكِسْتَان.
قُلْتُ: و هََذا الَّذي نَقَلَه أَنّ أَسْبَاهَ: اسْمٌ لِلْكَلْبِ، و أَنَّ سَكْ اسْمٌ للجُنْدِ لَيْسَ ذلكَ مَشْهُوراً في لُغَتِهم الأَصْلِيّة، كمَا راجَعْتُه في البُرْهَانِ القاطِع للتِّبْرِيزِيّ، الَّذِي هو في اللُّغةِ عِنْدَهم كالقامُوسِ عندَنا، فلمْ أَجِدْ فيهِ هََذا الإِطْلاق،
[١] ضبطت بالقلم في معجم البلدان بالفتح.
[٢] زيادة عن معجم البلدان.
[٣] بهامش المطبوعة المصرية: «الذي في المتن المطبوع، و ترجمه عاصم: كنند بنونين، قاله نصر، كذا بهامش المطبوعة» يعني طبعة التاج ذات الخمسة أجزاء.