تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٩٨ - وحد وحد
وُحْدَانٌ ، فقُلِبت الواوُ هَمزةً لانْضِمامِها، قال الهُذَلِيُّ:
يَحْمِي الصَّرِيمَةَ أُحْدَانُ الرِّجَالِ لَهُ # صَيْدٌ و مُجْتَرِىءٌ بِاللَّيْلِ هَمَّاسُ
قال ابن سِيده: فأَمَّا قَوْلُه:
طَارُوا إِلَيْهِ زُرَافَاتٍ وَ أُحْدَانَا
فقد يجوز أَن يَعْنِيَ: أَفْرَاداً، و هو أَجْوَدُ، لقوله:
زُرَافَات، و قد يَجُوز أَن يَعْنِيَ به الشُّجْعَانَ الذين لا نَظِيرَ لهم في البَأْسِ.
و الواحِدُ بمَعنَى الأَحَدِ ، همزتُه أَيضاً بَدَلٌ من الواو، و روَى الأَزهَرِيُّ عن أَبي العبّاسِ أَنه سُئِل عن الآحاد أَهِي جَمْعُ الأَحَدِ ؟فقال: معاذَ اللََّهِ، ليس للأَحَدِ جَمْعٌ، و لكن إِن جُعِلَتْ جَمْعَ الواحِد فهو مُحْتَمَلٌ مثلُ شَاهِدٍ و أَشْهَادٍ، قال:
و ليس للواحِدِ تَثْنِيَة و لا للاثْنينِ واحِدٌ مِن جِنْسِه، و قال أَبو إِسحاقَ النحويُّ: الأَحَدُ أَصلُه الوَحَدُ ، و قال غيرُه: الفَرْقُ بين الوَاحِد و الأَحَدِ أَن الأَحَدَ شيْءٌ بُنِيَ لِنَفْيِ ما يُذْكَر مَعَه مِن العَدَدِ، و الواحِدُ اسمٌ لِمُفْتَتَحِ العَددِ، و أَحَدٌ يَصْلُح في الكلامِ في مَوْضِع الجُحُودِ [١] ، و واحدٌ في موضِع الإِثباتِ، يقال [٢] : ما أَتاني منهم أَحَدٌ ، فمعناه: لا وَاحِدٌ أَتَانِي و لا اثنانِ، و إِذا قلتَ جاءَني منهم واحِدٌ ، فمعناه أَنه لم يَأْتِنِي منهم اثنانِ [٢] ، فهذا حَدُّ الأَحَدِ ، ما لم يُضَفْ، فإِذا أُضِيف قَرُبَ من مَعْنَى الواحِدِ ، و ذََلك أَنك تقولُ: قال أَحَدُ الثلاثةِ كَذَا و كَذَا، و أَنت تُرِيد واحِداً من الثلاثةِ، و الواحِدُ بُنِيَ على انْقِطَاعِ النَّظِير و عَوَزِ المِثْلِ، و الوَحِيدُ بُنِيَ عَلَى الوَحْدَةِ و الانْفِرَادِ عن الأَصْحابِ مِنْ طَرِيقِ بَيْنُونَتِه عنْهمْ.
وَحُدَ ، كعَلِم و كَرُمَ، يَحِدُ ، فيهما قال شيخُنَا: كِلاَهما مما لاَ نَظِيرَ له، و لم يَذْكُرْهُ أَئمَّةُ اللغة و الصَّرْفِ فإِن وَحِدَ كعَلِم يَلحَقُ بباب وَرِث، و يُسْتَدْرَك به على الأَلفاظِ التي أَوْرَدَهَا الشيخُ ابنُ مالكٍ في مُصَنَّفاتِه الكافِيَةِ و التَّسْهِيلِ، و أَشارَ إِليها في لامِيَّةِ الأَفعال الثمانِيةَ، و اسْتَدْرَك الشيخُ بَحْرَقٌ في شَرْحِها عليه أَلفاظاً مِن القَاموسِ، و أَغْفَلَ هََذااللفْظَ، مع أَنَّه أَوْضَحُ ما استدْرَكه عليه لوْ صَحَّ، لأَن تلك فيها لُغاتٌ تُخَرَّجُ على التَّداخُلِ، و أَما هََذا فهو من بابِها نَصّاً على ما قاله، و لو وَزَنَه بِوَرِث لكان أَقْرَب للصِّنَاعَةِ، و أَجْرَى عَلى قَوَاعِدِه، و أَمَّا اللُّغَةُ الثانِيةُ فلا تُعْرَف، و لا نَظِير لَها، لأَن فَعُلَ بالضمّ قد تَقَرَّرَ أَنّ مُضَارِعه إِنما يكون على يَفْعُل بالضَّمّ، و شذَّ منه لَبُبَ، بالضم، يَلْبَبُ، بالفتح، و مع ذََلك أَنْكَرُوه و قالوا هو من التَّدَاخُلِ، كما ذَكَرْنَا هنالك، أَمَّا فَعُلَ بالضمّ يَكونُ مُضارِعه يَفْعِل، بالكسر، فهََذا من الغرائب التي لم يَقُلْهَا قائِلٌ، و لا نقَلَهَا ناقِلٌ، نعم وَرَدَ عَكْسُه، و هو فَعِل، بالكسر، يَفْعُلُ بِالضم، في فَضِلَ، بِالكسر، يَفْضُل، بالضمّ، و نَعِمَ يَنْعُمُ لا ثالث لهما، كما قاله ابنُ القُوطِيَّةِ، و غيرُه، فَصَوَّبَ الأَكثرونَ أَنه من التَّدَاخُل، و بما قَرَّرنَاه يُعْلَم أَن كلامَ المُصنِّف فيه مُخَالَفَةٌ لكلامِ الجُمهورِ مِن وُجوه، فتَأَمَّلْ، و في المحكم وَحِدَ و وَحُدَ وَحَادَةً ، كسَحَابَةٍ و وُحُودَةً و وُحُوداً ، بضمهما، و لم يذكرهما ابنُ سِيدَه، و وَحْداً ، بفتح فسكون، ذكرَه ابنُ سيده، و وُحْدَةً بالضمّ، لم يذكره ابنُ سيده، و حِدَةً كعِدَةٍ، ذكره ابنُ سِيده: بَقِيَ مُفْرَداً، كتَوَحَّدَ . و الذي يَظهر لي أَن لفظة «فيهما» يَجِب إِسقاطُها فيعتَدِلُ كلامُ المصنِّف و يُوافِقُ الأُصولَ و القواعِدَ، و ذََلك لأَن اللغتينِ ثابِتتانِ في المُحْكم، و في التكملةِ وَحِدَ و وَحُدَ ، و نَظَّرَه الصاغانيُّ فقال: و كذََلك فَرِدَ وَ فَرُدَ، وَ فَقِهَ و فَقُهَ، و سَقِمَ و سَقُمَ، و سَفِهَ و سَفُهَ. قلت:
و هو نصُّ اللِّحيانيّ في نوادِرِه، و زاد: فَرعَ و فَرُعَ و حَرِضَ و حَرُضَ، و قال في تفسيره: أَي بَقِيَ وَحْدَه ، انتهى، فتاَمَّلْ، و ١٧- في حديث ابنِ الحَنْظَلِيَّةِ : «و كان رَجُلاً مُتَوَحِّداً » . أَي مُنْفَرِداً لا يُخَالِط الناسَ و لا يُجَالِسهم.
و وَحَّدَه تَوْحِيداً : جعَلَه وَاحِداً ، و كذا أَحَّدَهُ ، كما يُقَال ثَنَّاهُ و ثَلَّثَه، قال ابنُ سِيده: و يطَّرِدُ إِلى العَشَرةِ عن الشيبانيّ.
و رجُلٌ وَحَدٌ و أَحَدٌ مُحَرَّكتينِ، و وَحِدٌ ، ككَتِفٍ، و وَحِيدٌ ، كأَميرٍ، و وَحْدٌ ، كعَدْلٍ، و مُتَوَحِّدٌ ، أَي مُنْفَرِدٌ. و رَجُلُ وَحِيدٌ : لا أَحَدَ مَعَه يُؤْنِسُه، و أَنكر الأَزهريُّ قولهم رَجُلٌ أَحَدٌ ، فقال: لا يُقَال رَجُلٌ أَحَدٌ و لا دِرْهَمٌ أَحَدٌ ، كما يقال رَجُلٌ واحِدٌ [٣] ، أَي فَرْدٌ، لأَن أَحَداً مِن صفاتِ اللََّه عَزَّ و جَلَّ
[١] الأصل و اللسان و في التهذيب: الجحد.
[٢] كذا بالأصل و اللسان، و عبارة التهذيب: تقول: ما أتاني منهم أحد، و جاءني منهم واحد، و لا يقال: جاءني منهم أحد، لأنك إذا قلت: ما أتاني منهم أحد فمعناه، لا واحد أتاني و لا اثنان و إذا قلت: جاءني منهم واحد فمعناه أنه لم يأتني منهم اثنان.
[٣] التهذيب: رجلٌ وَحَدٌ.