تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٩٩ - عدد عدد
قال أَبو جَعْفَرٍ الفِهْريُّ: و ليس فيه إِسنادٌ إِلى الفِعْلِ الذي هو تَسْمع، كما ظَنَّه بعضُهم. و قال: قد جاءَ الإِسنادُ إِلى الفِعْل. و استَدلَّ على ذلك بهذا المَثَلِ. و بقوله تبارَكَ و تعالَى: وَ مِنْ آيََاتِهِ يُرِيكُمُ اَلْبَرْقَ [١] و قول الشاعر:
و حَقَّ لِمِثْلي يا بُثَيْنَةُ يَجْزَعُ
قال: فالفعْلُ في كُلّ هذا مبتدأٌ، مسنَدٌ إِليه، أَو مفعولٌ مسنَدٌ إِليه الفعل الذي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُه.
و ما قاله هذا القائِلُ فاسِدٌ، لأَن الفِعْلَ في كلامِهم إِنَّما وُضِعَ للإِخْبارِ بِه لا عنه. و ما ذكرهَ يُمكِن أَن يُرَدَّ إِلى الأَصْلِ الّذِي هو الإِخبارُ عن الاسْمِ، بأَن تُقَدَّر في الكلامِ أَن محذُوفَةً للعِلْم بها، فتقديرُ ذلك كُلِّه: أَن تَسْمَعَ بالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ من أَن تَرَاه. و مِن آيَاتِه أَن يُريَكُم البَرْقَ. و حَقَّ لِمِثْلِي أَن يَجْزَعَ. و أَنْ و ما بعدَهَا في تَأْويل اسمٍ، فيكون ذلك إِذا تُؤُوِّلَ على هذا الوَجْه، من الإِخبارِ عن الاسمِ، لا من الإِخبار عن الفِعْلِ. كذا في شرح شيخِنا.
قال أَبو جعفر: و رُوِيَ «مِن عَنْ تَرَاه» قاله الفرّاءُ في المصادر، يعني أَنّه ورد بإِبدال الهمزةِ في أَنْ عيناً، فقيل «عن» بدل «أَن» ، و هي لغةٌ مشهورةٌ، كما جَزَمَ به الجماهِيرُ.
أَو المَثَلُ: «تَسْمَعُ بالمُعَيْديِ لا أَنْ تَرَاهُ » بتجرِيدِ تَسمعُ، من «أَنْ» مرفوعاً على القياسِ، و منصوباً على تَقديرها و إِثبات لا العاطِفةِ النافيةِ و أَنْ، قبْلَ: تراه. و هي الرِّواية الثّانِية. و قد صحَّحها كثيرُون [٢] .
و نقَل أَبو جَعفرٍ عن الفَرَّاءِ قال: و هي في بَني أَسَدٍ، و هي التي يَختارُها الفصحاءُ.
و قال ابنُ هشامٍ اللَّخْمِيُّ: و أَكثرُهم يقول: لا أَنْ تراه.
و كذلك قاله ابن السِّكِّيت.
قال الفَرَّاءُ: و قَيْسٌ تقول: «لأَنْ تَسمعَ بالمُعَيْدِيِّ خيرٌ من أَن تَراه» و هكذا في «الفصيح» .
قال التّدْمريُّ فاللاّم هنا لامُ الابتداءِ، و أَن مع الفِعْلِبتأْوِيلِ المصدر، في موضعِ رَفْعٍ بالابتداءِ. و التقديرُ:
لسَمَاعُكَ بالمُعيدِيِّ خيرٌ من رُؤيَتِهِ فسَمَاعُكَ: مبتدأٌ.
و خيرٌ: خَبَرٌ عنه. و أَن تراه: في موضعِ خَفْضٍ بِمِنْ. قال:
و في الخَبَرِ ضميرٌ يعُود على المصدرِ الذي دَلَّ عليه الفِعْلُ، و هو المبتدأٌ، كما قالوا: مَن كَذَب كَان شَراًّ له .
يُضْرَبُ فيمَنْ شُهِرَ و ذُكِرَ و له صِيتٌ في الناس و تُزْدَرَى مَرْآتُهُ ، أَي يُسْتَقْبَحُ مَنْظَرُه لِدَمَامَتِهِ و حقَارَتِهِ. أَو تأْوِيلُهُ أَمْرٌ ، قال ابنُ السِّكِّيت، أَي اسْمَعْ به و لا تَرَهُ. و هذا المَثَلُ أَوردَهُ أَهلُ الأَمثال قاطِبَةً: أَبو عُبَيْدٍ أَوَّلاً.
و المُتَأخِّرُون كالزَّمَخْشَرِيِّ، و المَيْدانِي. و أَورده أَبو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ في «الفَصِيح» بروايَتَيْهِ. و بَسطه شُرَّاحُه. و زادوا فيه.
قال سيِبيوْيه: يُضْرَب المَثَلُ لمن تَراه حَقِيراً، و قَدْرُه خَطِيرٌ. و خَبَرُه أَجَلُّ مِن خُبْرِه.
و أَوّلُ مَن قَالَه النُّعْمَانُ بن المُنذِرُ أَو المُنذِرِ بنُ ماءِ السماءِ.
و المُعَيْديُّ رجُلٌ من بني فِهْرٍ، أَو كِنانةَ، و اختُلِفَ في اسمِهِ: هل هو صَقْعَب [٣] بن عَمْرٍو، أَو شِقَّة بن ضَمْرةَ، أَو ضَمْرَة التَّمِيمِيّ، و كان صَغِيرَ الجُثَّةِ، عَظِيم الهَيْئةِ. و لَمَّا قِيل له ذلك، قال: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، إِنَّ الرجالَ [٤] ليسُوا بجُزُرٍ، يُرَادُ [٥] بها الأَجسام، و إِنَّما المرءُ بأَصْغَرَيْهِ. و مثله قال ابن التّيانيّ تبعاً لصاحب «العَيْن» و أَبو عُبَيْدٍ عن ابن الكَلْبِيِّ و المفضَّل. و في بعضِها زيادات على بعض.
و في رواية المفضَّل: فقال له شِقَّة: أَبيتَ اللَّعن: إِنَّمَا [٦]
المرءُ بِأَصْغَرَيْهِ: لسانِهِ و قَلْبِهِ، إِذا نَطَق نَطَق ببَيَان، و إِذا قاتَلَ قاتل بِجَنان. فعَظُم في عَيْنِه، و أَجزل عَطِيَّتَه. و سَمَّاه باسمِ أَبِيه، فقال له: أَنتَ ضَمْرةُ بنُ ضَمْرَةَ. و أَورده العلاَّمة أَبو عليٍّ اليوسيّ في «زَهر الأَكم» بأَبْسَطَ من هذا، و أَوضَحَ الكلامَ فيه. و فيه: أَن هذا المثلَ أَولَ ما قِيلَ، لخَيْثَم [٧] بنِ
[١] سورة الروم الآية ٢٤.
[٢] و هي رواية الفاخر للمفضل.
[٣] بالأصل «صعقب» و ما أثبت عن الاشتقاق. و قد صححت في كل مواضع الخبر.
[٤] في الفاخر و الميداني: إِن القوم.
[٥] الفاخر و الميداني: يعني الشاء.
[٦] الفاخر و الميداني: إِنما يعيش الرجل بأصغريه.
[٧] عن الاشتقاق ص ٥٤٨ و بالأصل «لجشم» .