تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٣١ - عند عند
صَرَّحُوا به، أَي إِنما يُجَرُّ بِمن خاصَّةً.
و في التهذيب [١] : هي بلُغَاتِها الثَّلاثِ أَقْصَى نِهايات القُرْب، و لذََلك لم تُصَغَّر، و هو ظَرفٌ مُبْهَم، و لذََلك لم يَتَمَكَّن إِلاَّ في موضعٍ واحدٍ، و هو أَن يُقَال لشيْءٍ بلا عِلْم:
هََذا عِنْدِي كذا و كذا، فَيُقَال أَو لَكَ عِنْدٌ . قال شيخُنا: فعِنْدٌ مُبتدأٌ، و لَك: خَبَرُهُ، استُعْمِلَ غَيْرَ ظَرْفٍ ، لأَنَّه قُصِدَ لَفْظُه، أَي هل لك عِنْدٌ تُضِيفُه إِليكَ، نَظِير قولِ الآخر:
و مَنْ أَنتُمُ حَتَّى يكونَ لَكُمْ عِنْدُ
و قول الآخر:
كُلُّ عِنْدٍ لَكَ عِنْدِي # لا يُسَاوِي نِصْفَ عِنْدِ
فهذا كُلُّه قُصِدَ الحُكْمُ على لَفْظِه دُونَ مَعْنَاه. و قال الأَزهريُّ: زعموا أَنه في هذََا الموضِعِ يُرادُ بِهِ القَلْبُ و ما فيه المَعْقُولُ و اللُّبُ [٢] قال: و هََذا غيرُ قَوِيٍّ.
قلْت: و حَكَى ثَعْلَبٌ عن الفَرَّاءِ: قالوا: أَنت عِنْدِي ذاهِبٌ، أَي في ظَنِّي.
و قال الليث: و هو في التقريبِ شِبْه اللِّزْقِ، و لا يَكادُ يَجِيءُ في الكلامِ إِلاَّ منصوباً، لأَنه لا يكون إِلاَّ صفةً معمولاً فيها، أَو مُضْمَراً فيها فِعْلٌ، إِلاَّ في [٣] قولهم: أَولَك عِنْدٌ . كما تقدَّم.
و قد يُغْرَى بهَا ، أَي حالَة كونِها مُضَافَةً لا وحدَهَا، كما فَهِمَه غيرُ واحدٍ من ظاهِرِ عبارةِ المصنِّف، لأَن الموضوعَ للإِغراءِ هو مجموعُ المضافِ و المضافِ إِليه. صَرَّحَ به شيخُنا. و يدلّ لذََلك قوله: عنْدَكَ زَيداً، أَي خُذْهُ ، و قال سيبويهِ: و قالوا: عِنْدَكَ ، تُحَذِّرُه شَيْئاً بينَ يَدَيْهِ، أَو تأْمُره أَن يَتَقَدَّم، و هو من أَسماءِ الفِعْلِ لا يَتَعَدَّى. و قال الفرّاءُ:
العَرَبُ تأْمُر من الصِّفاتِ بِعَلَيْكَ، و عِنْدَكَ ، و دُونَك، و إِلَيْك، يقولون: إِليكَ إِليكَ عَنِّي، كما يَقُولون: وراءَك وَراءَك، فهََذه الحروفُ كثيرة. و زَعَم الكسائِيُّ أَنَّه سَمِعَ، بَيْنَكُما البَعيرَ فَخُذَاه. فنَصَب البَعِيرَ. و أَجاز ذََلك في كلِّ الصِّفاتِ التي تُفْرَد، و لم يُجِزْه في اللام، و لا الباءِ، و لا الكافِ، و سَمِعَ الكسائيُّ العَرَب تقولُ: كَما أَنْتَ وزيداً، و مكانَك و زيداً. قال الأَزهريُّ:
و سَمِعْتُ بعضَ بني سُلَيْمٍ يقول: كَمَا أَنْتَنِي، يقول:
انتَظِرْنِي في مكانِكَ.
قال شيخُنا: و بَقِيَ عليهم أَنهم استَعْملوا عِنْد في مُجَرَّد الحُكْم من غيرِ نَظَرٍ لظَرْفيّةٍ أَو غيرِهَا، كقولِهم عنْدِي مالٌ، لما هو بِحَضْرتك، و لِما غابَ عَنْك، ضُمِّنَ معنَى المِلْك و السُّلطانِ على الشيْءِ، و من هُنا استُعْمِل في المَعَانِي، فيقال: عِنْدَه خَيْرٌ، و ما عِنْدَه شَرٌّ، لأَنَّ المَعَانِيَ ليس لها جِهَاتٌ. و منه فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ [٤] أَي مِن فَضْلِكَ. و يكون بمعنى الحُكْم، يقال: هََذا عِنْدِي أَفضلُ من هََذا، أَي في حُكْمِي. و أَصلُه في «درة الغوّاص» للحريريِّ.
و لا تَقُلْ: مَضَى إِلى عِنْدِهِ ، و لا إِلى لَدُنْهُ و هََكذا في الصّحاح. و في «درة الغّواص» : قولُهم: ذَهَبتُ إِلى عِنْدِه لَحْنٌ لا يَجُوز استعمالُه، و نسَبَه للعامَّةِ.
و فَرَّق الدَّمامينِيُّ بينَها و بين لَدُن، من وُجوهٍ سِتَّةٍ، ورَدَّ ما زَعَمَه المَعَرِّيُّ من اتِّحادِهما، و مَحَلُّ بَسْطِه المُطَوَّلاتُ.
و العِنْدُ مُثَلَّثَةً: النّاحِيَةُ. و بالتَّحْرِيكِ: الجانبُ ، و قد عانَد فُلانٌ فُلاناً، إِذا جَانَبه، و دَمٌ عانِدٌ : يَسِيل جانباً. و بِه فسّر قول الراجز:
حُبَّ الحُبَارَى و يَزِفُّ عَنَدَهْ
و قال ثعلب المُرَادُ بالجَانِبِ هنا الاعتراضُ. و المعنى يُعَلِّمه الطَّيرَانَ، كما يُعَلِّمُ العُصفورُ وَلَدَه، و أَنشد:
و كُلُّ خِنْزِيرٍ يُحِبُّ وَلَدَه # حَبّ الحُبَارَى..
الخ [٥] .
و من المجاز: سَحَابَةٌ عَنُودٌ ، كَصَبُورٍ: كَثِيرةُ المَطَرِ لا تَكاد تُقْلِع، و جَمْعُه: عُنُدٌ ، قال الراعي:
[١] كذا، و لم تذكر في التهذيب، و الصواب: و في المحكم، فالعبارة منقولة عنه.
[٢] التهذيب: «و ما فيه من معقول اللبّ. » و في المحكم: «و ما فيه من اللبّ» .
[٣] في التهذيب: إلاّ في حرف واحد. و ذلك أن يقول القائل لشيء بلا علم: هذا عندي كذا و كذا، فيقال: أَوَلك عندٌ فيرفع.
[٤] سورة القصص الآية ٢٧.
[٥] رواية التهذيب:
و قد يحب كل شيء ولده # حتى الحبارى و تدفّ عنده.