تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٩٨ - قعد قعد
النُّسخ بالإِفراد، و في بعض الأُمهات [١] : جَناحَاه بَعْدُ. و القَعِيد : الأَبُ، و منه قولهم قَعِيدَكَ لَتَفْعَلَنَ كذا، أَي بِأَبِيكَ قال شيخنا: هو مِن غَرائِبه انفرَدَ بِهَا، كحَمْلِه في القَسَم على ذََلك، فإِنه لم يَذْكُره أَحدٌ في معنى القَسَمِ و ما يتعلّق به، و إِنما قالوا إِنه مَصْدَر كعَمْرِ اللََّهِ. قلت: و هََذا الذي قاله المصنّف قولُ أَبي عُبَيْدٍ. و نَسَبَه إِلى عَلْيَاءِ مُضَرَ و فسَّره هََكذا. و تَحَامُلُ شيخِنا عليه في غيرِ مَحلّه، مع أَنه نقل قول أَبي عُبَيْدٍ فيما بعْدُ، و لم يُتَمِّمْه، فإِنه قالَ بعد قوله عَلْياء مُضَر: تقولُ قَعِيدَك لتَفْعَلَنَّ. القَعِيدُ : الأَبُ، فحذف آخِرَ كلامِه. و هََذا عجيبٌ. و قولهم قَعِيدَك اللََّه لا أَفعل ذََلك و قِعْدَك اللََّه، بالكَسْرِ ، و يقال بالفتح أَيضاً، كما ضَبَطَه الرَّضِيُّ و غيرُه، قال مُتَمِّم بنُ نُوَيْرةَ:
قَعِيدَكِ أَنْ لا تُسْمِعِيني مَلاَمَةً # و لا تَنْكَئِي قَرْحَ الفُؤَاد فَيَيجَعَا
استعطافٌ لا قَسَمٌ ، قال ابنُ بَرِّيٍّ في الحواشِي في تَرْجَمَةِ وجع في بَيت مُتَمّم السابِق، و قال: كذا قالَه أَبو عليٍّ، ثم قال: بِدليل أَنّه لم يَجِئْ جَوابُ القَسَمِ. و نصُّ عبارَة أَبي عَلِيٍّ: و الدليلُ على أَنه ليس بقَسم كَوْنُه لم يُجَبْ بِجَوابِ القَسَمِ. و هو أَي قَعيدَك اللََّه مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الفِعْل بمنزلَة عَمْرَكَ اللََّه في كونِه يَنْتَصِب انتصابَ المَصَادِرِ الواقِعَةِ مَوْقِعَ الفِعْلِ أَي عَمَرْتُكَ اللََّه، و معناه: سأَلْتُ اللََّه تَعْمِيرَكَ، و كذََلك قِعْدُكَ اللََّه بالكسر تَقْديره قِعْدك [٢] اللََّه، هََكذا في سائر النّسخ. و نصّ عبارة أَبي عَليٍّ: قَعَّدْتُك اللََّهَ أَي سأَلتُ اللََّه حِفظَك، من قوله تعالى : عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ [٣] أَي حفيظ، انتهت عبارَةُ ابْنِ بَرِّيّ نقلاً عن أَبي عَلِيّ. فإِذا عَرَفْتَ ذََلك فقولُ شيخِنا: و قولُه استعطاف لا قَسَمٌ مُخَالِفٌ للجمهور، تَعَصُّبٌ على المصنّف و قُصُور.
و قال أَبو الهَيْثم: القَعِيدُ : المُقَاعِدُ الذي يُصاحِبك في قُعُودِك ، فَعِيل بمعنى مُفَاعِل، و قَاعَدَ الرجُلَ: قَعَدَ معه، و أَنشد للفرزدق:
قَعِيدَكُما اللََّهَ الذي أَنْتُمَا لَه # أَ لَمْ تَسْمَعَا بِالبَيْضَتَيْنِ المُنَاديَا [٤]
و القَعِيد : الحَافِظ، للواحِدِ و الجَمْعِ و المُذكّر و المُؤنَّث بلفظٍ واحِدٍ، و هما قَعِيدَانِ و فَعِيلٌ و فَعُول ممَّا يَستوِي فيه الواحِدُ و الاثنانِ و الجمعُ، كقوله تعالى: إِنََّا رَسُولُ رَبِّ اَلْعََالَمِينَ [٥] و كقوله تعالى: وَ اَلْمَلاََئِكَةُ بَعْدَ ذََلِكَ ظَهِيرٌ [٦]
و به فسِّر قولُه تَعالَى: عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ قَعِيدٌ [٧]
و قال النحويّون: معناه: عن اليَمِين قَعِيدٌ و عن الشِّمالِ قَعِيدٌ ، فاكْتُفِى بذِكْرِ الواحدِ عن صاحِبِه [٨] ، و له أَمثِلَةٌ و شواهدُ. راجع في اللسان [٨] و أَنشد الكسائيُّ لِقُرَيْبَةَ الأَعرابيّة [٩] .
قَعِيدَكِ عَمْرَ اللََّهِ يا بِنْتَ مَالِكٍ # أَلَمْ تَعْلَمِينَا نِعْمَ مَأْوَى المُعَصِّبِ
قال: و لم أَسْمَعْ بيتاً اجْتَمَع فيه العَمْرُ و القَعِيد إِلاّ هََذا.
و قال ثعلبٌ: إِذا قُلْتَ قَعِيدَكُما اللََّهَ. جاءَ مَعه الاستفهامُ و اليمين، فالاستفهامُ كقوله: قَعِيدَكُما اللََّهَ أَ لَمْ يَكنْ كَذا و كذا؟و أَنشد قَوْلَ الفَرزدقِ السابِقَ ذِكْرُه. و القَسمُ قَعِيدَكَ اللََّهَ لأُكْرِمَنَّكَ، و يقال: قعِيدَكَ اللََّهَ لا تَفْعَلْ كذا، و قَعْدَكَ اللََّهَ بفتح القافِ، و أَمَّا قِعْدَكَ فلا أَعْرفه، و يقال: قَعَدَ قَعْداً و قُعُوداً ، و أَنشد:
فَقَعْدَكِ أَنْ لاَ تُسْمِعِيني مَلاَمَةً
و قال الجوهريّ: هي يَمِينٌ للعربِ و هي مصادرُ استُعْمِلت مَنصوبةً بفعْلٍ مُضمَرٍ.
[١] و هي عبارة، و «جناحه» رواية الصحاح.
[٢] في القاموس: «و كذلك قِعدُكَ اللََّه تقديره قَعَدَتُكَ اللََّه» . و كذلك قِعدَك اللََّه ضبطت عن اللسان.
[٣] سورة ق الآية ١٧.
[٤] يقول: أينما قعدت فأنت مقاعد للََّه، أي هو معك.
[٥] سورة الشعراء الآية ١٦.
[٦] سورة التحريم الآية ٤.
[٧] سورة ق الآية ١٦.
[٨] قال في اللسان: و منه قول الشاعر:
نحن بما عندنا و أنت بما # عندك راض و الرأي مختلف
و لم يقل راضيان و لا راضون، أراد نحن بما عندنا راضوان و أنت بما عندك راضٍ، و مثله قول الفرزدق:
إني ضمنت لمن أتاني ما جنى # و أتى و كان و كنت غير غدور
و لم يقل غدورين.
[٩] في التهذيب و اللسان: و أنشد غيره عن قريبة الأعرابية.