تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٣١٨ - وعد وعد
مَوَاعِيدَ عُرْقُوبٍ أَخَاهُ بِيَثْرِبِ [١]
قال شيخنا: و وُرُود مَفْعُولٍ مَصْدَراً من الثلاثيّ الجُمْهُورُ حَصَرُوه في السَّمَاعِ، وَ قَصْروه على الوارِد، و أَبو الخَطَّابِ الأَخفشُ الكبيرُ في جَمَاعَةٍ قاسُوه في الثُّلاثيِّ، كما قاس الكل اسْمَ مَفعولٍ مَصْدَراً في غيرِ الثلاثيِّ، على ما عُرِف في الصَّرْف.
و وَعَدَه خَيْراً و شَرًّا ، فَيُنْصَبَانِ على المفعوليَّة المُطلقَة، و قيل، على إِسقَاط الجَارِّ، و الصوابُ الأَوّل، كما حَقَّقَه شيخُنَا، و عبارَة الفَصِيح: وَعَدْت الرجُلَ خيراً و شَرًّا. قال شُرَّاحُه: أَي مَنَّيْتُه بهما، قال اللََّه تعالى في الخير: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً [٢] و مثلُه كَثِيرٌ، و قال في الشَّرِّ: قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكُمُ اَلنََّارُ وَعَدَهَا اَللََّهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ [٣]
و أَنْشَدُوا:
إِذَا وَعَدَتْ شَرّاً أَتَى قَبْلَ وَقَتِهِ # وَ إِنْ وَعَدَتْ خَيْراً أَرَاثَ و عَتَّمَا
قلت: و صَرَّح الزمخشريّ في الأَساس بأَن قولَهم:
وَعَدْتُه شَرًّا، و كذا قول اللََّه تعالى: اَلشَّيْطََانُ يَعِدُكُمُ اَلْفَقْرَ [٤] من المَجاز، فَإِذا أُسْقِطَا أَي الخير و الشَّرّ قِيلَ في الخَيْرِ وَعَدَ ، بلا أَلف، و في الشَّرِّ أَوْعَدَ ، بالأَلف، قاله المُطرّز، و حكاه القُتَيْبِيّ عن الفرَّاءِ، و قال اللَّبْلِيّ في شَرْح الفَصِيح: و هََذا هو المَشْهُورُ عند أَئِمَّةِ اللغةِ. و في التهذيب:
كلامُ العَرَب: وَعَدْتُ الرجُلَ خَيْراً، و وعَدْتُه شَرًّا، و أَوْعَدْتُه خَيْراً، و أَوْعَدْتُه شَرًّا، فإِذا لم يَذْكُرُوا الخَيْرَ قالُوا وَعَدْتُه ، و لم يُدْخِلُوا أَلِفاً، و إِذا لم يَذْكروا الشّرَّ قَالُوا أَوْعَدْتُه و لم يُسْقِطُوا الأَلف، و أَنْشَدَ لِعَامِرِ بنِ الطفَيْل:
وَ إِنِّي وَ إِنْ أَوْعَدْتُه أَوْ وَعَدْتُهُ # لأَخْلِفُ إِيعَادِي و أُنْجِزُ مَوْعِدِي
و قالوا: أَوْعَدَ الخَيْرَ ، حكاه ابنُ سِيدَه عن ابنِ الأَعرابِيِّ، و هو نادِرٌ، و أَنشد:
يَبْسُطُنِي مَرَّةً و يُوعِدُنِي # فَضْلاً طَرِيفاً إِلى أَيَادِيه
و أَوْعَدَه بالشَّرِّ ، أَي إِذا أدخلوا [٥] الباءَ لم يكن إِلاَّ في الشَّرِّ، كقولك: أَوْعَدْتُه بالضَّرْبِ، و عبارةُ الفَصِيحِ: فإِذا أَدْخَلْتَ الباءَ قُلْتَ: أَوْعَدْتُه بِكَذا و كَذَا، تَعْنِي مِن الوَعِيد ، قال شُرَّاحُه: معناه أَنهم إِذا أَدْخَلوا الباءَ أَتَوْا بالأَلفِ مَعَهَا، فقالوا، أَوْعَدْتُه : بِكَذَا، و لا تَدْخُلُ البَاءُ في وَعَدَ بغيرِ أَلِفٍ، فلا تَقُلْ وَعَدْتُه بِخَيْرٍ و بِشَرٍّ و على هََذا القولِ أَكثَرُ أَهلِ اللغةِ. قلت: و في المحكم: و في الخَيْرِ الوَعْدُ و العِدَةُ ، و في الشرِّ الإِيعادُ و الوَعِيدُ ، فإِذا قالوا أَوْعَدْتُه بالشرّ أَثبتُوا الأَلِفَ مع الباءِ، و أَنْشَد لبعْضِ الرُّجَّازِ:
أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ و الأَدَاهِمِ # رِجْلِي وَ رِجْلِي شَثْنَةُ المَنَاسِمِ
قال الجوهريُّ: تقديرُه أَوْعَدَني بالسِّجْنِ، و أَوْعَدَ رِجْلِي بالأَدَاهِم، و رِجْلي شَثْنَةٌ، أَي قَوِيَّة على القَيْدِ. قلت، و حكَى ابنُ القُوطِيَّة، وَعَدْتُهُ خَيْراً و شَرًّا، و بِخَيْر و بِشَرٍّ، فعلى هذا لا تَخْتَصُّ الباءُ بأَوْعَدَ، بل تكون مَعَهَا و مع وَعَدَ ، فتقول: أَوْعَدْته بِشرٍّ، و وعَدْته بِخَيْرٍ، لكن الأَكْثَر ما مَرَّ.
و حكى قُطْرُب في كِتاب فَعَلْت و أَفعلْت: وَعَدْت الرَّجُلَ خَيْراً، و أَوْعَدْته خَيْراً، و وَعَدْتُه شَرًّا، و أَوْعَدْتُه شَرًّا.
و المِيعَادُ : وَقْتُه و مَوْضِعُه و كذا المُواعَدَةُ يكون وقتاً و مَوْضِعاً، قال الجوهَرِيُّ، و كذََلك المَوْعِدُ ، أَي يكون وَفْتاً و مَوْضِعاً و في الأساس: و هذا الوَقْتُ و المَكَانُ مِيعَادُهم و مَوْعِدُهُم .
و تَوَاعَدُوا و اتَّعَدُوا بمعنًى واحدٍ، أَو الأُولَى في الخَيْرِ ، و الثانِيةُ في الشَّرِّ ، و هََذا الفَرْقُ هو المَشْهورُ الذي عليه الجُمهُورُ، ففي اللّسَانِ: اتَّعَدْت الرَّجُلَ، إِذا أَوْعَدْتَه ، قال الأَعْشي:
فَإِنْ تَتَّعِدْنِي أَتَّعِدْكَ بِمِثْلِهَا [٦]
و قال أَبو الهيثم: أَوْعَدْت الرجُلَ أُوعِدُه إِيعَاداً ، و تَوَعَّدْتُه تَوَعُّداً . و اتَّعَدْت اتِّعَاداً ، و وَاعَدَه الوَقْتَ و المَوْضِعَ. و واعَدَه فَوَعَدَه : كَانَ أَكْثَرَ وَعْداً مِنه ، و قال أَبو مُعاذٍ: وَاعَدْتُ زَيْداً،
[١] البيت في معجم البلدان (يترب) و صدره:
وعدتِ و كان الخلف منك سجيةً.
[٢] سورة الفتح الآية ٢٩.
[٣] سورة الحج الآية ٧٢.
[٤] سورة البقرة الآية ٢٦٨.
[٥] في المطبوعة الكويتية «أخلوا» تحريف.
[٦] ديوانه، و عجزه:
و سوف أزيد الباقيات القوارصا.