تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٨٤ - عبد عبد
يَرْضَى به الرَّبُّ. و الأَوّلُ أَقوَى و أَشَقُّ، فلذا قِيلَ: تَسْقُطُ العِبَادةُ في الآخِرَةِ لا العُبُودةُ ، لأَنّ العُبودَةَ أَن لا يَرَى مُتَصَرِّفاً في الدَّارَيْنِ في الحقيقةِ إِلاّ اللََّه.
قال شيخنا: و هذا مَلْحَظٌ صُوفِيٌّ لا دَخْلَ للأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ فيه.
و في اللّسان: و لا فِعْلَ له عند أَبي عُبَيْد .
قلْت: و هو الّذِي جَزَم به أَكثَرُ شُرّاحِ «الفَصِيح» . و حكَى اللِّحْيانيّ: عَبُد عُبُودَةً و عُبُودِيَّةً .
قلت: و أَوضَحُ منه قولُ ابن القَطَّاعِ في «كتاب الأَفعال» ، فقال: عَبُد العَبْدُ عُبُودَةً و عُبُودِيَّةً . و أَما عَبَدَ اللََّه فَمَصْدَرُهُ: عِبَادَة و عُبُودة و عُبُودِيّة ، أَي أَطاعه.
و في اللّسَان: و عَبَد اللََّه يَعبُده عِبادَةً و مَعْبَداً و مَعْبَدةً : تَأَلَّه له.
و قال الأَزهريُّ: اجتمعَ العامَّةُ على تَفْرِقَةِ ما بين عِبادِ اللََّهِ، و الممالِيكِ، فقالوا: هََذا عَبْدٌ من عِبادِ اللََّهِ، و هََؤلاءِ عَبِيدٌ مماليكُ. قال: و لا يُقَال عَبَدَ يَعْبُدُ عِبادةً إِلاَّ لمَن يَعْبُد اللََّه، و من عَبَدَ [من] [١] دُونِهِ إِلََهاً فهو من الخاسِرِينَ. قال: و أَما عَبْدٌ خَدَمَ مَوْلاهُ فلا يُقَال: عَبَدَهُ . قال اللّيث: و يقال لِلْمُشْرِكِينَ: هم عَبَدَةُ الطَّاغُوتِ، و يقال للمُسْلِمين: عِبَادُ اللََّهِ يَعْبُدونَ اللََّهَ. و قال اللََّه عَزَّ و جَلَّ:
اُعْبُدُوا رَبَّكُمُ* [٢] أَي أَطِيعُوا رَبَّكُمْ.
و قولُه إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيََّاكَ نَسْتَعِينُ [٣] أَي نُطِيعُ الطّاعَةَ التي يُخْضَع [٤] مَعَهَا، قال ابنُ الأَثِير [٥] : و معنى العِبَادَةِ في اللُّغة: الطَّاعَةُ مَعَ الخُضُوع.
و قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذََلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اَللََّهِ مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ [٦] . قرأَ أَبو جَعْفَرٍ، و شَيْبةُ، و نافِعٌ، و عاصِمٌ، و أَبو عَمْرٍو و الكِسَائِيُّ: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ قال الفَرَّاءُ: و هو مَعْطُوفٌ على قوله عَزَّ و جَلَّ: وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ وَ مَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ.
و قال الزَّجَّاجُ: هو نَسَقٌ على: مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ ، المعنَى: مَن لَعَنَه اللََّهُ، و مَن عَبَدَ الطَّاغُوتَ مِنْ دُونِ اللََّهِ، عَزَّ و جَلَّ، أَي أَطاعَةُ-يَعْنِي الشَّيْطَانَ-فِيمَا سَوَّلَ له و أَغْواه.
قال الجوهَريُّ: و قرأَ بعضُهُم: و عَبُدَ الطَّاغُوتِ و أَضافَهُ.
قال: و المَعْنَى، فيما يُقَال: خَدَمُ الطَّاغُوتِ. و قد تَقَدَّم فيه الكلامُ. و قال الليث: [و من قرأ: ] [٧] و عَبُدَ الطاغُوتُ معناه: صار الطَّاغُوتُ يُعْبَدُ ، كما يُقَالُ: ظَرُف الرّجُلُ و فَقُهَ.
و قد غَلّطَه الأَزْهَرِيّ. و قرأَ ابنُ عَبَّاسٍ: و عُبَّدَ الطاغوتِ بِضمّ العَيْنِ، و تَشْدِيد المُوَحَّدَةِ، جمعُ عابِدٍ ، كشَاهِدٍ و شُهَّدٍ و قُرِئ: وَ عَبَدَ الطّاغوتِ محركةً و خَفْض الطاغُوتِ، و هو أَيضاً جمع عابِدٍ ، و أَصله: عَبَدَةٌ ، ككافِرٍ و كَفَرَةٍ، حُذِفَتْ منه الهاءُ و قُرِئَ و عَابِدَ الطَّاغُوتِ ، مثل: ضارِب الرَّجُلِ، و هي قراءَة ابن أَبي زائدة، و قرِئ و عُبُدَ الطَّاغُوتِ ، جمع عابِدٍ . قال الزَّجَّاجُ: هو جَمْع عَبِيدٍ ، كَرَغِيفٍ و رُغُفٍ، و هي قراءَة يَحْيَى بنِ وَثَّابٍ، و حَمزة [٨] . و رُوِيَ عن النَّخَعِيّ أَنه قَرَأَ: و عُبْدَ [٩] الطَّاغُوتِ باسكانِ الباءِ، و فتْح الدَّالِ.
و قُرِئَ و عَبْدَ الطَّاغُوتِ ، بفتح فسكون، و فيه وَجْهَانِ:
أَحدُهما أَن يكونَ مُخَفَّفاً من عَبُدٍ ، كما يقال: في عَضُدٍ:
عَضْدٌ. و جائزٌ أَن يكونَ عَبْد اسمَ الواحِد يَدُلُّ على الجِنْس، و يجوز في عَبْد النَّصْبُ و الرَّفْعُ. و ذكر الفَرَّاءُ أَنَّ أُبَيَّا و عبدَ اللََّهِ قرآ و عَبَدُوا الطَّاغُوتَ . و رُوِيَ عن بَعْضِهِم أَنَّهُ قَرَأَ و عُبَّادَ الطَّاغُوتِ .
قلت: و نسبها ابنُ القَطَّاعِ إِلى أَبي واقِدٍ. قال الأَزْهَرِيُّ:
و رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ و عُبِّدَ الطّاغوتُ مَبْنِيًّا للمَجْهُولِ.
و رُوِيَ عنه أَيضاً: و عُبَّدَ الطَّاغُوتِ بِضَمٍّ، فتشديد، معناه عُبَّادُ الطَّاغُوتِ. و قُرِئ: و عُبِدَ الطَّاغُوتُ مَبْنِيًّا للمجهول، كضُرِب، و هي قراءَةُ أَبي جَعْفَرٍ. و قرأَ أَبيُّ بنُ كَعْبِ و عَبَدَة
[١] زيادة عن التهذيب.
[٢] سورة البقرة الآية ٢١.
[٣] سورة الفاتحة الآية ٥.
[٤] التهذيب: نخضع.
[٥] كذا، و هو قول الزجّاج كما في التهذيب.
[٦] سورة المائدة الآية ٦٠.
[٧] زيادة عن التهذيب.
[٨] في التهذيب: و عَبُد الطاغوتِ هي قراءة يحيى بن وثاب و الأعمش و حمزة.
[٩] في التهذيب: و عُبُدَ .